أخبار عامة

العنوان: “الزيدانية”.. قصبة الحصار والعرش التي تروي صراع الأخوة في سوس

تارودانت –

على بعد خطوات قليلة من أسوار المدينة القديمة لتارودانت، وتحديدا على بعد 3 كيلومترات في الجنوب الغربي، لا تزال أطلال صامدة تروي حكاية من أقسى فصول الصراع على العرش في تاريخ المغرب. إنها القصبة الزيدانية، الشاهد الحجري على حصار دام ثلاث سنوات، وجبهة خلفية اتخذها مولاي زيدان العلوي منطلقا لقتال أخيه محمد العالم.

بينما تكتسي حقول الزيتون وأشجار اللوز ضفاف وادي سوس، تقف بقايا سور متآكل لتحكي قصة ثكنة عسكرية تحولت إلى مسكن لأمير علوي، ومنطلقا لجيوشه، وملاذا يتحصن به في أوقات الشدة.

ثكنة في مواجهة المدينة

تعود أحداث القصة إلى أوائل القرن الثاني عشر الهجري (بين 1115 و1118 هجرية)، وتحديدا بعد وفاة السلطان المولى إسماعيل. في تلك الفترة، كان الصراع على أشده بين أبنائه لخلافته. وكان مسرح العمليات في سوس يحتضن فصلا دراميا من هذا الصراع بين الأخوين: المولى زيدان والمولى محمد العالم.

المولى محمد العالم كان واليا على سوس ويتمركز داخل أسوار تارودانت المنيعة، بينما كان أخوه المولى زيدان يحاصره من الخارج. لم تكن العملية عسكرية فقط، بل كانت حرب استنزاف وتجويع ومراقبة. هنا، برزت أهمية القصبة الزيدانية.

اختار المولى زيدان هذا الموقع بدقة عسكرية فائقة. فهو ليس مجرد مخيم عابر، بل قصبة محصنة، تضم ثكنات للجيش الإسماعيلي، ومخازن للعتاد والمؤونة، ومسكنا خاصا له. كانت القصبة بمثابة “العاصمة المؤقتة” لإمارته المناهضة، يشن منها هجوماته نهارا، ويعود إليها ليحصي خططه ليلا، بعيدا عن متناول مدافع المدينة.

شهادة التاريخ

لم يفت المؤرخين ذكر هذه المحطة. فالعلاّمة محمد المختار السوسي، مؤرخ سوس الكبير، يصفها في مؤلفاته بعبارة موجزة لكنها معبرة: “والزيدانية قصبة لا يزال سورها ماثلا، هي منزل زيدان بن إسماعيل لما حاصر أخاه في المدينة”.

هذه العبارة، رغم إيجازها، تؤكد أن القصبة كانت “مسكنا” و”منطلقا”، أي أنها لم تكن مجرد معسكر عابر، بل كانت قاعدة خلفية متكاملة. وجود السور “ماثلا” في زمن السوسي يدل على متانة البناء، الذي صمد لعقود قبل أن تبدأ معالمه في التلاشي.

حصار ثلاثي الأبعاد

لم يكن الحصار عسكريا فقط. تقول الروايات التاريخية إن المولى زيدان استخدم كل أدوات الضغط. فإلى جانب المرابطة بالقصبة وقطع طرق الإمداد عن تارودانت، كان هناك بعد آخر هو التحالف مع بعض القبائل والمساومة مع وجهاء المدينة. في المقابل، كان أهل تاروداند والقبائل المجاورة منشغلين بين ولاءات متعددة: بعضهم مع الوالي الشرعي داخل المدينة، وآخرون استمالهم زيدان بوعوده.

دام هذا الحصار ثلاث سنوات كاملة، دون أن يتمكن زيدان من اقتحام أسوار تارودانت الحمراء، ودون أن يتمكن محمد العالم من كسر طوق أخيه المحكم.

أطلال تنتظر من يحنو عليها

واليوم، ماذا بقي من القصبة الزيدانية؟

الزائر للموقع اليوم لن يجد القصور الشامخة ولا الثكنات العسكرية. لم يتبق سوى أجزاء متفرقة من السور، وبعض أساسات الحجارة التي تختلط بنبات الصبار والأعشاب البرية. تعرضت القصبة للإهمال لعقود، وتآكلت بفعل الزمن والعوامل الطبيعية، وربما استخدم سكان المنطقة بعض حجارتها في البناء، كعادة ما يحدث مع الآثار المهملة.

تبقى القصبة الزيدانية قطعة مهمة من “البازل” التاريخي للمغرب. فهي لا تحكي فقط قصة صراع على عرش، بل تروي أيضا قصة عسكرية محكمة، وهندسة معمارية وظيفية، ومرحلة كانت فيها تارودانت قلبا نابضا لأحداث كبرى.

يبقى السؤال: هل يحين الوقت لإعادة الاعتبار لهذا الموقع، وضمه إلى قائمة المعالم التاريخية الواجبة الصيانة بتارودانت، كما يتم الآن إعادة ترميم سورها ليصبح مقصدا للباحثين والسياح على حد سواء؟ فما زالت أحجاره رغم صمتها، تروي حكاية.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button