أخبار عامة

المغرب وحلف السلام: قراءة في ديناميات التحولات الجيوسياسية بالشرق الأوسط

بقلم: قسم التحليل السياسي

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، يبر اسم المغرب كلاعب رئيسي يحظى بثقة متزايدة من القوى الدولية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. اختيار الرباط كمؤسس لـ”تحالف السلام” الإقليمي إلى جانب واشنطن، لم يعد مجرد خطوة دبلوماسية عادية، بل مؤشراً على تحول استراتيجي في وزن المغرب الجيوسياسي، الأمر الذي أثار ردود فعل متباينة في الإعلام الخليجي والمصري.

المغرب في قلب التحالفات الكبرى

استقبال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتدشين أحد أكبر التحالفات الإقليمية، يعكس مكانة خاصة للمغرب في الاستراتيجية الأمريكية. هذه المكانة ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تراكمات دبلوماسية وأمنية واقتصادية، إضافة إلى دور الجالية المغربية في الولايات المتحدة وإسرائيل كجسر للتواصل والتأثير.

المغرب اليوم ليس مجرد بلد يستقبل الشراكات، بل شريك مؤسس وصانع قرار في تحالفات دولية كبرى. وهذا الموقع المتقدم يثير حساسيات تقليدية في الإعلام السعودي والمصري والقطري، الذي تعامل مع هذا الصعود بخطاب متأرجح بين الدعم الظاهري لمغربية الصحراء، والهجوم غير المباشر عبر تغطيات إعلامية تهدف لتقزيم الدور المغربي.

قضية الصحراء: من الخلاف إلى الحسم

لطالما كانت قضية الصحراء المغربية مؤشراً على صدق المواقف العربية. فبينما سارعت الإمارات والأردن والبحرين لفتح قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة، تراجع آخرون عن مواقفهم السابقة أو حافظوا على مسافة. هذا التمايز يكشف أن التحالفات العربية لم تعد تُبنى على أسس أيديولوجية أو قومية، بل على مصالح متبادلة ورؤية مشتركة للمستقبل.

المغرب، بفضل صبر شعبه والتزام جبهته الداخلية وتضحيات قواته المسلحة، استطاع حسم المعركة الدبلوماسية لصالحه. الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، ثم الإسباني والألماني والفرنسي لاحقاً، جعل القضية تنتقل من مربع “النزاع” إلى مربع “الحسم”. أي محاولة للعودة إلى زعزعة هذا الملف تبدو اليوم خارج سياق المتغيرات الدولية.

عن ماذا تغار الأنظمة العربية؟

ما يثير الغيرة في الإعلام الخليجي والمصري ليس المغرب بحد ذاته، بل نموذج نجاحه القائم على:

  1. الثقة الدولية: استطاع المغرب بناء علاقات مع واشنطن وتل أبيب دون أن يفقد بوصلته الوطنية، بل استثمر هذه العلاقات لخدمة قضيته الأولى.
  2. الاستقرار السياسي: في منطقة تعج بالاضطرابات، يظل المغرب واحة أمان واستقرار، مما يجعله شريكاً موثوقاً.
  3. القوة الناعمة: الجالية المغربية في إسرائيل التي تمثل حوالي 50% من الإسرائيليين (من أصول مغربية) هي نموذج للقوة الناعمة التي لا تُشترى بالنفط والغاز.
  4. الوفاء الاستراتيجي: الموقف المغربي من التحالف العربي في اليمن، وتقديم شهداء في معركة لا تعنيه بشكل مباشر، كان اختباراً حقيقياً للصداقة المغربية.

رسالة إلى المشككين

يقول مغردون سعوديون ومصريون وقطريون: “نحن مع وحدة المغرب الترابية”. لكن الأفعال وحدها هي التي تبقى. فتح قنصلية يحتاج شجاعة سياسية، بينما التصريحات الإعلامية قد تكون مجرد “مسكنات” للرأي العام.

المغرب اليوم لا ينتظر شهادات حسن نية من أحد. قضيته حسمت في الميدان وفي المحافل الدولية، وهو منشغل ببناء تحالفاته مع “أسياد العالم” كما يصفهم البعض، ليس عن عنجهية، بل عن قناعة بأن المصالح الوطنية تبنى بالأفعال لا بالكلام.

الخلاصة

ما يحدث اليوم ليس مجرد شد وجذب إعلامي عابر. إنه تحول في هرم النفوذ بالمنطقة. المغرب يتحول بثبات من دولة هامشية في الصراعات العربية إلى قلب التحالفات الدولية الكبرى. وهذا ما لا تستسيغه بعض العواصم التي اعتادت أن تكون هي المتحدث الرسمي باسم العرب.

غير أن الرباط تمضي في طريقها، تاركة لمن يشكك فيها خيارين لا ثالث لهما: إما الانضمام لقطار التحولات الكبرى بمواقف صادقة، أو البقاء في محطة “الغيرة” يتابعون عن بعد صعود أسد الأطلسي.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button