
الكثير منكم ممن سبق لهم أن سمعوا أغنية (سلوا قلبي) لعملاقة الطرب العربي المبدعة ام كلثوم رحمها الله، سيعتقد أن اختياري لعنوان هذا المقال, استلهمته من بيت القصيدة الذي غنتها ، قصيدة الشاعر أحمد شوقي التي نقشها، عوض أن يكتبها ( لأنها بقيت براقة، خالدة، صامدة لم يمحي الدهر معانيها، ولم يخفت بريقها رغم مرور كل هذا الزمن على كتابتها )
،..أقول ذلك إنصافا للرجل، واعترافا بعلو كعب أشعاره، لا أقل ولا أكثر ، ….. لكن لمن لايعرف، فبيت قصيدة (سلوا قلبي) الذي يقول:( وما نيل المطالب بالتمني… ولكن تؤخذ الدنيا غلابا )، ليس ملكا أدبيا للشاعر أحمد شوقي، بل هو لشاعر العرب أبي الطيب المتنبي… استعاره منه شوقي في قصيدته لإيمانه بصدق معناه، وقوة تعبيره…لكن .. الذي يهمني بذكر كل هذا لكم أحبائي .. هو قناعتي، وإيماني،الكبيرين بأن المغاربة عامة بمن فيهم حتى من لم يتذوق حلاوة الشعر يوما ، ولا يعرف إن كانت له آدابا أو أوزانا، المغاربة كلهم يؤمنون أن تلبية الطموحات ، وتحقيق النجاحات لا يمكن أن تكون بالتمني، ولكنها تكون باستعمال نعمة العقل والتفكير أولا، وبالتخطيط والتكتيك تانيا ، تم ببذل الجهد والعمل في التنفيذ تالثا….لتحقيق المرتجى…
المغاربة لم يكونوا يوما عناصر كلبية تهتم باستعراض القوة البدنية والعضلات المنفوخة بالمنشطات ، والعدة والعتاد الشكلي الذي لم يعد يرعب أحدا …المغاربة كانوا ولازالوا وسيبقون عناصر سامية تؤمن بالعقل، وتوظف التفكير و الذكاء لإيجاد الحلول والوصول للأهداف …سبق للحسن الثاني رحمه الله سنة 1984 أن طلب إنضمام المغرب للإتحاد الأوربي، لأنه كان يؤمن في قرارة نفسه ، أن المغرب يستطيع أن يجاري خطوات جيرانه الشماليين ، بل أن لديه ما يضيفه لهم ، وأنه يستطيع إن يمشي مشيتهم، وبخطى تناسب خطى تطورهم، دون أدنى مركب نقص ، لكن… للأسف جاءه الرد من هذا الإتحاد سنة 1987 برفض الطلب ، بدعوى أن الإتحاد الأوربي معني فقط بالدول التي توجد جغرافيتها بقارة أوربا ، فالتفت الحسن الثاني جراء هذا الرفض للدول المغاربية التي حشره الله معها في الجوار ، وعلى الرغم من معرفته بعدم نضجها، وتفاهة اهتماماتها إلا أنه حاول بكل ما أوتي من حكمة وبصيرة أن يقنعها ويشحن هممها ، ويقوي عزائمها..لدفعها للتكتل ، والإتحاد لأنه خير لها …، ولأجل ذلك تغاضى رحمه الله عن مشكل الصحراء المغربية، وإساءات جيرانه له فيها، ووضع كل ذلك جانبا، لأنه كان متيقنا أن حلاوة النجاح يدا في يد إن تم ، وانفتاح هذه البلدان المغاربية بعضها على بعض إن حصل ، سينهي كل الخلافات الحدودية البينية ويدفنها إلى غير رجعة .لأن جغرافية الإتحاد ستفتح وستصبح وطنا واحدا يسع الجميع ….ووافق الجيران عن مضض، بعد طول نقاش ليتأسس ما سمي باتحاد المغرب العربي سنة 1989،.. لكن العقول المتحجرة التي اسسته، عادت إلى خصال الخسة والدسائس، التي تغلب على طبعها وطباعها، وأهملت اتحادها بعد تأسيسه متعمدة أن تتركه جسدا بلا روح ، ليبقى دون جدوى لا يملك من خصائص الإتحاد غير الإسم ، لم تضخ في شريانه الحياة رغم كل محاولات المغرب موريتانيا وتونس عندما كانت عاقلة ..ولما تعب ويئس المغرب من إنعاشه، و تيقن من هلاكه، لعدم جدية نوايا الكسالى الحاقدين من جيرانه ، ركب وحده قطار الحياة …. ، و رحل بعيدا عن جواره ،وجد واجتهد ، في البحث عن الدخول في اتفاقات وشراكات ثنائية جادة ومهمة، ومتنوعة مع دول ناضجة سياسيا ، وقوية اقتصاديا تعطيه الإضافة …وبفضل الله وعونه، وبعبقرية ولاة أمرهذا البلد ونواياهم الحسنة ، ومجهودات شعبهم الذاتية نجح المغرب، ليصبح مغرب اليوم، ولم يبقى مغرب الأمس ….إذ أصبح لوحده أقوى من جميع دول الإتحاد المغاربي مجتمعة في ميادين السياحة.. ،والتجارة… والصناعة …
وجلب الإستثمارات .. ومداخيل العملة الصعبة…. إن استثنينا مداخيل ثروات البترول والغاز التي أهدتها الطبيعة دون مجهود للآخرين …مغرب اليوم أصبح ينظر إليه من طرف العالم نظرة احترام… وكقوة نامية، الكل يخطب ودها ، ويتشرف بالتعامل معها ..أما أصحابه في الجوار الذين رفضوا أن يركبوا معه اتحاد المغرب العربي.. وتلكؤوا خوفا من إن يغتني ويتجاوزهم .. أصبحوا وهم يرونه اليوم تجاوزهم…يرمون اللوم و المسؤولية عليه ، … البعض منهم يتهمه بالخيانة وبسرقة زبناء السياحة ، و زبناء تجارة الفوسفات….،وسرقة المستثمرين ، … والبعض الآخر يتهمه بالإستقواء بشركائه التجاريين، لضرب مصالحه ..وسرقة إستثمارات مشاريعه ،و انتزاع مواقف سياسية ضده، والغريب أن لا أحد من هؤلاء يعترف أنه… فاشل إبن فاشل ، وأنهم أضاعوا مستقبلهم، ومستقبل شعوبهم عندما رفضوا من الأول رفضا ضمنيا ، إقامة هذا الإتحاد بنوايا حسنة ، بتلكآتهم ، والتواءاتهم، واهتمامهم بالكيد والتآمر ، وتفاهات الأمور …
عندما أداروا وجوههم للمغرب، …أما اليوم، فالمغرب الذي يعرف ويعي معنى: وما نيل المطالب بالتمني…ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ….غلب هؤلاء بإرادة أبنائه، ورقي افكارهم، وبحسن نيتهم …وأصبح بفضل علاقاته الدولية الكبيرة والمتشعبة أكبر من اتحادهم بكامله …ولا أعتقد أنه سيرضى مستقبلا لأن يعود لإتحادهم المغلوب هذا …..نبيل هرباز



