السلطة المحلية بين مقتضيات الشرعية القانونية وصون الفضاء العام

بقلم: سيداتي بيدا
متابعة الباز محمد
تشكل السلطة المحلية إحدى الدعائم الأساسية لدولة الحق والقانون، باعتبارها الامتداد التنفيذي للدولة داخل المجال الترابي، والفاعل المباشر في تنزيل السياسات العمومية المرتبطة بالأمن، والنظام، وحسن تدبير المجال. فهي ليست جهازاً إدارياً تقنياً فحسب، بل سلطة قانونية تتحمل مسؤولية ثقيلة في حماية الصالح العام، وضمان احترام المشروعية، وصيانة الفضاء العمومي باعتباره ملكاً جماعياً لا يقبل التفويت أو الاستباحة.
وتتجلى أهمية السلطة المحلية في موقعها المحوري الذي يفرض التوفيق بين تطبيق النصوص القانونية والاستجابة للانتظارات المشروعة للمواطنين، دون السقوط في منطق التساهل أو المقايضة على حساب هيبة الدولة. فالفضاء العام ليس مجالاً للتصرف الفردي أو الاستغلال غير المشروع، بل هو عنوان للنظام والانضباط، ومؤشر على مستوى احترام القانون داخل المجتمع.
وانطلاقاً من هذا التصور، برزت تجربة متميزة بمدينة العيون، قادها السيد محسن بغداد، باشا المدينة، الذي أرسى منذ توليه مهامه نهجاً إدارياً واضح المعالم، قوامه الصرامة في تطبيق القانون، والحضور الميداني الدائم، والانفتاح المسؤول على الإكراهات الاجتماعية، دون الإخلال بثوابت الدولة أو تعطيل سلطة القانون. وقد أسهم هذا التوجه العملي في إحداث تحول نوعي في تدبير الشأن الحضري، وجعل من العيون نموذجاً يُحتذى به في فرض النظام داخل المجال العمومي.
فمن خلال مقاربة ميدانية دقيقة، وتنسيق فعال مع مختلف مكونات السلطة المحلية وأعوانها، تم الشروع في حملات منظمة لتحرير الملك العمومي، والتصدي بحزم لظاهرة الاحتلال العشوائي التي ظلت لسنوات تشكل مصدراً للفوضى، وتهديداً للأمن، وإضراراً بحقوق المواطنين في التنقل والسلامة والعيش في بيئة حضرية منظمة. وهي ممارسات غالباً ما كانت تُبرر بذريعة الهشاشة الاجتماعية، في حين أنها في واقع الأمر تخفي أنشطة غير قانونية وتغذي مظاهر الانفلات.
ويُعدّ حي السويقة الرحيبة مثالاً دالاً على نجاعة هذا التدخل، حيث انتقل من فضاء يعج بالاكتظاظ والعشوائية ومظاهر الجريمة، إلى مجال منظم وآمن، يستجيب لمعايير السير العادي للحياة الحضرية، ويعيد الاعتبار لكرامة المواطن وحقه في الاستفادة المتكافئة من الفضاء العام.
إن ما تحقق بمدينة العيون ليس إجراءً ظرفياً ولا حملة عابرة، بل هو نتيجة إرادة إدارية حازمة ورؤية إصلاحية تضع القانون فوق الجميع، وتؤكد أن حماية الفضاء العام مسؤولية لا تقبل التهاون، وأن هيبة الدولة ليست نقيضاً لخدمة المواطن، بل شرطاً أساسياً لتحقيقها.



