صدى الذاكرة الأندلسية بين الرمزية والتاريخ

بقلم /سيداتي بيدا
في مشهدٍ مشحون بالدلالات التاريخية والرمزية، عاد صوت الأذان ليُلامس فضاء كاتدرائية إشبيلية، ذلك الصرح الذي شُيّد فوق أنقاض واحدٍ من أعظم مساجد الأندلس. الحدث، وإن بدا عابراً في ظاهره، يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز اللحظة، ليُعيد فتح نقاشٍ عميق حول الذاكرة، الهوية، وإرث التعايش الذي طُمس تحت ثقل التحولات السياسية والدينية.المؤذن، وهو مسلم إسباني من أحفاد الأندلسيين، لم يكن مجرد صوتٍ فردي، بل امتدادٌ حيّ لذاكرة جماعية ظلت تقاوم النسيان. فإشبيلية، التي كانت يوماً منارة حضارية في الغرب الإسلامي، ما تزال آثارها المعمارية شاهدة على حقبةٍ تداخلت فيها الثقافات والعلوم واللغات. غير أن هذا الإرث لم ينجُ من الإقصاء، حيث أُعيد تشكيل الفضاء الديني بما يعكس سرديةً أحادية، غيّبت جزءاً أصيلاً من التاريخ.إن رفع الأذان في هذا السياق لا ينبغي قراءته كفعل تحدٍ، بل كاستعادة رمزية لطبقاتٍ من التاريخ المنسي. إنه تذكير بأن الهوية ليست قالباً ثابتاً، بل نسيجٌ متداخل من التجارب والتحولات. كما يطرح تساؤلاتٍ مشروعة حول كيفية التعامل مع الذاكرة المشتركة، وهل يمكن إعادة الاعتبار لها دون الوقوع في فخ التسييس أو الاستقطاب.في النهاية، يبقى الحدث دعوةً للتأمل لا للمواجهة؛ تأملٌ في تاريخٍ معقد، وفي إمكانية بناء خطابٍ جديد يعترف بالتعددية دون أن ينكر الخصوصيات. فربما يكون صدى الأذان هنا، أكثر من مجرد صوت، هو نداءٌ لإعادة قراءة الماضي بعينٍ أكثر إنصافاً ووعياض



