أخبار دوليةحوادث

“جمبري بيجار”: إحدى أشنع وسائل التعذيب والإعدام في تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر وتونس


في سجل الجرائم الاستعمارية، كثيرٌ من الوسائل التي توصف بالبشاعة، لكن بعض الممارسات ترتقي إلى مستوى يفوق كل تصور إنساني، ومنها تلك التي لجأت إليها فرنسا الاستعمارية خلال حرب التحرير الجزائرية وما صاحبها من تجاوزات في تونس المجاورة. من بين هذه الوسائل الوحشية، تبرز طريقة “جمبري بيجار” كواحدة من أبشع أدوات القمع والتصفية التي ابتكرها الجنرال الفرنسي السفّاح جاك ماسو ونُسبت إلى الجنرال مارسيل بيجار، أحد قادة العمليات القمعية في الجزائر خلال معركة العاصمة (معركة الجزائر) سنة 1957.

ما هي طريقة “جمبري بيجار”؟

“جمبري بيجار” (بالفرنسية: Crevettes Bigeard) هو الاسم الرمزي لأسلوب إعدام وتعذيب استخدمته القوات الفرنسية، حيث يتم:

  1. تقييد أرجل المعتقل أو المجاهد داخل إناء مملوء بالإسمنت السائل.
  2. يُترك الإسمنت حتى يجف تمامًا ويصبح ثقيلًا كالصخر، مثبتًا الجسد إلى القاعدة.
  3. يُحمل الضحية في مروحية عسكرية (هليكوبتر)، ثم يُلقى في عرض البحر المتوسط.
  4. يغرق الضحية في قاع البحر، دون أن يُعثر على أثر له أبدًا، ليُمحى من الوجود جسدًا وصوتًا.

بهذه الطريقة كانت فرنسا تتخلص من “المزعجين”، وتمنع عائلاتهم من دفنهم أو معرفة مصيرهم. وقد اعتُبر هذا الإجراء وسيلة تعذيب وقتل مركّبة، فيها الألم النفسي، الجسدي، والرمزي.

ضحايا بلا قبور

خلال “معركة الجزائر” سنة 1957، وهي حملة دموية شنّتها القوات الفرنسية ضد جبهة التحرير الوطني داخل العاصمة الجزائرية، اختفى أكثر من 8000 رجل جزائري. ومن تونس، حيث كانت فرنسا تشنّ حربًا سرية موازية، اختفى أكثر من 4000 تونسي، خاصة في المناطق الحدودية ومخيمات المجاهدين. كثير منهم تم تعذيبهم في السجون السرية، وقتلهم بهذه الطريقة الوحشية، حيث أصبح البحر الأبيض المتوسط “مقبرة صامتة” لآلاف الأحرار.

جرائم موثقة رغم التعتيم

رغم محاولات الطمس، تسرّبت شهادات من بعض الناجين ومن وثائق عسكرية فرنسية لاحقًا، أكدت اللجوء إلى هذه الطريقة بشكل ممنهج، خاصة ضد من يُشتبه في قيادتهم أو دعمهم لحركات المقاومة. بعض المسؤولين الفرنسيين أنفسهم اعترفوا بها بعد عقود، مثل الجنرال بول أوساريس، الذي اعترف بتعذيب وقتل الآلاف من الجزائريين بطرق غير إنسانية.

رسالة من أحد المجاهدين

قال أحد الثوار الجزائريين:
“من عاش فليعش بعداوة لفرنسا، ومن مات فليحمل معه هذه العداوة إلى القبر.”
ليعبّر بذلك عن حجم الألم الذي لا يشفى، والغدر الذي لا يُنسى، والجرائم التي لا تسقط بالتقادم.

خاتمة: فرنسا تُطالب بالصفح دون اعتراف

رغم اعتراف الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند ثم إيمانويل ماكرون بوقوع “جرائم ضد الإنسانية” خلال الاستعمار، إلا أن الدولة الفرنسية لم تُقدم على اعتذار رسمي أو تعويض معنوي أو مادي للضحايا وعائلاتهم. يبقى “جمبري بيجار” رمزًا للفظاعة التي مارسها الاستعمار الفرنسي، ودليلاً دامغًا على أن الاستعمار لم يكن مشروعًا حضاريًا، بل مشروع إبادة ممنهجة.


Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button