“يا أيها الناس… رفقاً بأئمتكم” في رمضان شهر القرآن

رمضان شهر القرآن، وشهر الصيام والقيام، وهو أيضاً شهر الأئمة الذين يتقدمون المصلين في لياليه ونهاره، يتحملون أمانة ثقيلة تشيب لها الرؤوس. في الأيام العادية، يكون الإمام مسؤولاً عن خمس صلوات، أما في رمضان فتتضاعف المسؤولية. خلف الستار، يعيش أكثر من 52 ألف إمام من حفظة كتاب الله أياماً وليالي استثنائية. يراجعون القرآن آية آية، يحبسون أنفسهم في غرفهم وزوايا مساجدهم، يقللون من الطعام والشراب، ويقطعون أوصال التواصل مع الدنيا، فقط ليكونوا في الموعد مع كتاب الله ومع المصلين. هم في معية القرآن، والقرآن في صدورهم يتردد كالنحل في خليته، استعداداً لتقديم أفضل ما لديهم في الشهر الفضيل. لكن المفارقة العجيبة، أن هؤلاء الذين أمضوا أيامهم وسهروا ليالهم في المراجعة والتدبر، غالباً ما يواجهون بعد هذا الجهد العظيم “سيلاً” من الانتقادات المتناقضة. يأتيهم الصوت من هنا: “أطلت بنا يا شيخ!”، ويأتيهم الصوت من هناك: “أسرعت بنا يا شيخ!”، وثالث يتعجب: “ليتك قرأت بسور أقصر”، ورابع يتمنى: “قلد لنا فلاناً أو علاناً!”، وخامس ينتقد نبرة الصوت أو طول الوقفات بين الآيات. لم يعد الإمام في أذهان البعض إلا (جهاز تشغيل قرآن) يمكن التحكم بزر التسريع والإبطاء، أو آلة تسجيل يمكن أن تقلد أصوات القراء المشاهير (كالشريم أو غيره) بضغطة زر! نسي هؤلاء المنتقدون أن الإمام بشر. نعم، هو حافظ لكتاب الله، لكنه بشر يعتريه التعب كما يعتريهم، يلهث وراء أنفاسه في الركعات الطوال، ينسى أحياناً فيصاب بالخجل والارتباك، يشعر بثقل الوقوف بين يدي الله وبين أيدي المصلين في آنٍ واحد. إنها مسؤولية لو وُضعت على الجبال لاضمحلت. لذلك، نحن في أمس الحاجة إلى وقفة مع أنفسنا قبل أن نرفع أصواتنا بالنقد. أليس من الأجدر بنا أن نرفع أكف الضراعة بالدعاء لهم قبل الصلاة وبعدها؟ “اللهم وفق إمامنا واجعله منارة هدى”. أليس من الواجب علينا أن نشكرهم على ما يبذلونه، ونشد على أيديهم، ونخفف عنهم وطأة المسؤولية بكلمة طيبة تمتص تعب الشهر؟ أما من لم يجد في جعبته كلمة طيبة، أو رأى تقصيراً يسيراً في حق الجهد الكبير، فخير له – وللإمام – أن يلتزم قاعدة أدبية عظيمة: “قل خيراً أو اصمت”. فقليل من التسامح مع الأئمة يبني جيلاً من الخطباء المخلصين، وكثير من الانتقادات الجارحة يهدم همم رجال أفنوا أعمارهم في حفظ كتاب الله.
جزيتم عنا وعن المسلمين خير الجزاء، يا حملة القرآن، وأعانكم الله على أمانة الإمامة في هذا الشهر الفضيل.



