أخبار عامة

ظاهرة التسول في مساجد أكادير.. حين تتحول إلى حرفة منظمة (شهر رمضان نموذجاً)

أكادير – في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه المساجد بيوتاً للطاعة والخشوع، تتحول محيطاتها خلال شهر رمضان إلى فضاءات لظاهرة اجتماعية باتت تستفز المواطنين وتشوه صورة الشهر الكريم، إنها ظاهرة التسول التي لم تعد مجرد حاجة عابرة، بل تحولت إلى حرفة منظمة تستغل تدين المغاربة وكرمهم.

“المتسول المناسب في المكان المناسب”، بهذه القاعدة يبدو أن شبكات التسول المنظمة تدير عملياتها في مدينة أكادير، حيث تختار الأماكن الاستراتيجية ذات الولوجية العالية للمواطنين، وعلى رأسها المساجد والأسواق والمخابز، مستغلة الأجواء الروحانية لشهر رمضان لتحقيق أرباح سريعة على حساب عواطف الناس .

استغلال العاطفة الدينية.. آلية احترافية للابتزاز العاطفي

يركز المتسولون خلال شهر رمضان بشكل مكثف على محيط المساجد والفضاءات العمومية التي تشهد رواجاً كبيراً، سعياً إلى الاستفادة من ارتفاع منسوب الإحسان والعطاء الذي يتقوّى بروحانية الشهر الفضيل، إذ تتضاعف مشاعر التعاطف لدى فئات واسعة من المجتمع، مما يخلق ما يمكن وصفه بـ”الفرصة الموسمية للتسول” .

ويشرح محمد حبيب، أخصائي نفسي واجتماعي، هذه الآلية قائلاً: “يلعب البعد الديني دوراً محورياً في هذه الفترة، على اعتبار أنه يرفع من الاستعداد النفسي للمواطنين للعطاء. هذا التحفيز الرمزي والزمني يخلق فرصة موسمية للتسول، بعدما يتحول السلوك الإحساني المرتفع إلى محرك أساسي لزيادة أعداد المتسولين في الشوارع” .

شبكات منظمة وأساليب احترافية

ما يلاحظ في مدينة أكادير، كما في باقي المدن المغربية، هو الطابع المنظم لهذه الظاهرة، فقبل حلول شهر رمضان، تقوم شبكات التسول بتجميع الأطفال، خاصة من ذوي العاهات أو ممن يثير منظرهم الشفقة، لاستخدامهم كـ”طعم” يصطادون به تعاطف المارة .

وحذر الأخصائي النفسي ذاته من “إخراج هذه الممارسات، بفعل شبكات منظمة، من دائرة الفقر المادي العفوي إلى الاحتراف الممنهج”، مشيراً إلى أن “التسول بات بالنسبة للبعض خياراً عقلانياً لكونه يدر دخلاً يفوق ما توفره قطاعات العمل المهيكلة وغير المهيكلة، إذ يمتلك بعض المتسولين مصادر دخل معينة” .

المواطن بين مخافة الله وخطر النصب

يجد المواطنون أنفسهم في حيرة بين واجبهم الديني والإنساني تجاه المحتاجين، وبين شعورهم بأنهم قد يكونون ضحية لشبكات النصب والاحتيال. فكثير من المتسولين يعتمدون على أسلوب العاهات المفتعلة والخطاب الديني العاطفي الذي يبلغ ذروته في الشهر الكريم، مستغلين رغبة الناس في نيل الأجر والثواب .

ويصف أحد المواطنين بأكادير هذه المعاناة قائلاً: “لم نعد نميز بين من يستحق الصدقة ومن لا يستحقها. هناك أطفال ونساء يقضون ساعات طويلة أمام المساجد، وبعضهم يحمل أطفالاً رضعاً في ظروف قاسية، مما يثير الشفقة ويدفعنا للعطاء رغم علمنا بأنهم قد لا يكونون محتاجين حقيقيين”.

أرقام صادمة

تكشف الإحصائيات الرسمية عن حجم الظاهرة على المستوى الوطني، حيث عالجت المصالح الأمنية خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الماضية ما مجموعه 34.312 قضية متعلقة بالتسول، تم بموجبها توقيف 39.143 شخصاً، من بينهم 1.092 قاصراً و10.810 نساء، إضافة إلى 1.816 شخصاً يحملون جنسيات أجنبية مختلفة .

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد المتسولين في المغرب يصل إلى حوالي 195 ألف متسول، مما يضع المملكة في صدارة الدول العربية التي تعاني من هذه الظاهرة الاجتماعية المتنامية .

استغلال الأطفال.. الجريمة الأخلاقية الأكبر

يعد استغلال الأطفال في التسول أخطر أوجه هذه الظاهرة، حيث يتم استخدامهم من قبل ذويهم أو شبكات متخصصة تقوم بتأطيرهم وتوزيعهم على مناطق معينة، خاصة أبواب المساجد والمقاهي والأماكن العمومية .

ويكشف تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن ارتفاع عدد القضايا المتعلقة باستغلال الأطفال في التسول، منتقلاً من 64 قضية في سنة 2017 إلى 127 قضية في سنة 2022، تابعت فيها النيابة العامة 131 شخصاً، وبلغ عدد ضحاياها من الأطفال 154 طفلاً .

ويشير القانون المغربي إلى أن استغلال الأطفال في التسول يدخل في إطار الاتجار بالبشر، حيث يعتبر تجنيد طفل أو نقله أو تنقيله أو إيواؤه أو استقباله لغرض الاستغلال “اتجاراً بالأشخاص”، حتى إذا لم ينطو على استعمال أي وسيلة من وسائل القسر أو الاحتيال .

مقاربة أمنية واجتماعية لمواجهة الظاهرة

تكثف السلطات المغربية جهودها لمكافحة ظاهرة التسول، خاصة في المدن الكبرى وفي الفترات التي تعرف إقبالاً دينياً مكثفاً مثل شهر رمضان. وتقوم قوات الأمن بتدخلات منتظمة في المناطق التي يكون فيها التسول أكثر شيوعاً، مثل محيط المساجد والمقاهي ومحطات الحافلات والقطارات، مع إيلاء اهتمام خاص للأعياد والمناسبات الدينية .

وتعتمد هذه التدخلات على مقاربة مزدوجة: زجرية بالنسبة لمحترفي التسول ومستغلي الأطفال، وإصلاحية واجتماعية بالنسبة للحالات الإنسانية الحقيقية، حيث يتم تحويل الأشخاص في وضعية هشاشة إلى مراكز الرعاية الاجتماعية التابعة للتعاون الوطني، في حدود طاقتها الاستيعابية .

وتساهم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في بناء مراكز إيواء الأشخاص المتشردين، وخاصة الفئات الهشة منهم، كالأطفال والنساء والشيوخ، في محاولة لتوفير بدائل حقيقية للتسول .

دعوات لتضافر الجهود

يطالب الفاعلون الجمعويون والحقوقيون بمقاربة شمولية للتصدي لهذه الظاهرة، تجمع بين البعدين الوقائي والعلاجي، عبر تظافر جهود كل المتدخلين من قطاعات حكومية وجماعات محلية ومنظمات المجتمع المدني والسلطات المحلية .

كما يدعون إلى تفعيل القانون بشكل صارم في حق مستغلي الأطفال في التسول، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية للفئات الهشة، والتوعية السلوكية لإعادة تشكيل تمثلات المجتمع حول الفرق بين الإحسان المنظم وتشجيع الاتكالية .

ويبقى الأمل معقوداً على وعي المواطنين أنفسهم، الذين باتوا مطالبين بتوجيه صدقاتهم عبر القنوات الرسمية والجمعيات الخيرية الموثوقة، لضمان وصولها إلى مستحقيها الحقيقيين، وحماية للمجتمع من تفشي ظاهرة تحولت إلى تشويه لصورة شهر الرحمة والتضامن.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button