هدر 4.2 مليون طن من الغذاء بالمغرب.. كارثة صامتة تهدد الأمن الغذائي للمملكة

في بلد لا يزال يعاني من الإجهاد المائي ويستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاته الغذائية، تهدر الأسر المغربية سنويًا 4.2 مليون طن من المواد الغذائية، في سلوك استهلاكي يصفه الخبراء بـ”الانتحار الاقتصادي والبيئي”.
أرقام تدق ناقوس الخطر
كشف تقرير حديث عن حجم كارثي للهدر الغذائي في المغرب، حيث تتخلص الأسر من 4.2 مليون طن من الطعام سنويًا. هذا الرقم يعادل تقريبًا إنتاج المملكة من الحبوب الأساسية في موسم فلاحي كامل، ويُترجم إلى خسائر مادية ومائية ضخمة.
مبروك الحسناوي، الخبير في الاقتصاد الزراعي، يوضح في تصريح لجريدة “صوت المغرب”: “ما يتم هدره سنويًا كان كافيًا لتغطية العجز الغذائي لشهور عدة. نحن لا نهدر الطعام فقط، بل نهدر المياه والجهد والمال العام والدعم الذي توفره الدولة للمواد الأساسية”.
المياه خلف كل لقمة
المغرب يعيش تحت وطأة إجهاد مائي غير مسبوق، ونسبة كبيرة من الموارد المائية تذهب لري محاصيل ينتهي بها المطاف في النفايات. الدكتورة فاطمة الزهراء الكحل، الباحثة في البيئة والتنمية المستدامة، تحذر: “إنتاج هذا الطعام المهدر يستهلك ملايين الأمتار المكعبة من المياه. نحن نرمي بالماء الذي نعاني للحصول عليه”.
وتضيف: “الأجيال القادمة ستدفع ثمن هذا الإسراف. يجب أن نفهم أن الأمن الغذائي يبدأ من احترام النعمة وعدم رميها”.
ثقافة الاستهلاك بين التبذير والمسؤولية
الشارع المغربي يشهد يوميًا مشاهد متكررة: أرغفة الخبز تملأ أكياس القمامة، وصناديق الخضار والفواكه ترمى قبل استهلاكها، ووجبات كاملة من المطاعم تلقى في النفايات.
سمير البقالي، رب أسرة من الدار البيضاء، يعترف بوجود مشكلة ثقافية: “نحن نشتري أكثر مما نحتاج. في المناسبات تحديدًا، نطبخ كميات تكفي 30 شخصًا والحضور 10 فقط. العيب يمنعنا من تقديم الباقي أو الاحتفاظ به للغد”.
هذه الثقافة تحتاج إلى مراجعة جذرية، فـ”الاستهلاك المعقلن” لا يعني البخل، بل التخطيط الجيد للشراء، والطهي بكميات مناسبة، وفهم تواريخ الصلاحية بشكل صحيح.
حلول لم تخرج من الرفوف
رغم خطورة الوضع، تبقى المبادرات لمكافحة الهدر الغذائي محدودة. الجمعية المغربية لحماية الموارد المائية تطالب بإدراج ثقافة ترشيد الاستهلاك في المناهج الدراسية، وإطلاق حملات وطنية كبرى تشبه تلك التي نجحت في ترشيد استهلاك الماء والكهرباء.
الحسين أيت الحاج، ناشط جمعوي، يقترح: “نحتاج إلى بنوك غذاء حقيقية توزع الفائض من المطاعم والفنادق والأسواق على المحتاجين. هناك تجارب ناجحة في دول أوروبية يمكن الاستفادة منها بدل أن نبقى نرمي الطعام أمام الفقراء”.
دعوة للتحرك العاجل
المملكة مدعوة اليوم إلى وضع استراتيجية وطنية لمكافحة هدر الغذاء، تشمل:
- التوعية الإعلامية: برامج توعوية مستمرة في القنوات والإذاعات.
- التشجيع على التبرع: تسهيل إجراءات تبرع المحلات والمطاعم بالطعام الفائض.
- التربية: إدراج مفاهيم الاستهلاك المستدام في التعليم.
- البحث العلمي: دعم ابتكارات لحفظ الطعام وتدوير النفايات العضوية.
في النهاية، هدر 4.2 مليون طن من الغذاء ليس مجرد رقم في تقرير، بل هو تحد وجودي. فالحفاظ على الثروة الغذائية للمملكة يبدأ من عقلية كل أسرة، ومن وعي كل مواطن بأن ما يرميه كان يمكن أن يسد جوع جائع أو يوفر ماءً لعطشان في مستقبل ليس ببعيد.



