موضوع حول الوضع الصحي بجهة سوس ماسة

متابعة الباز محمد
تعيش جهة سوس ماسة منذ سنوات على وقع انتظار افتتاح المستشفى الجامعي بأكادير، وهو مشروع استراتيجي راهنت عليه الدولة من أجل تقليص الفوارق المجالية في العرض الصحي بين الجهات. غير أن هذا المستشفى، ورغم استكمال نسبة كبيرة من أشغاله وتخصيص اعتمادات مالية ضخمة لتجهيزه الطبي، ومن ضمنها اقتناء الروبوت الجراحي، ما يزال خارج الخدمة، الأمر الذي يحرم الساكنة من الحق الدستوري في الولوج العادل والمنصف للخدمات الصحية.لقد تعاقب على وزارة الصحة ثلاثة وزراء؛ من بينهم الوزير السابق أنس الدكالي الذي أكد أن نسبة تقدم الأشغال تجاوزت 70%، وخلفه البروفيسور خالد أيت الطالب الذي عقد عدة لقاءات مع المجلس الإداري للمركز الاستشفائي الجامعي سوس ماسة، ومع ذلك بقيت الساكنة تنتظر دون جدوى. هذا في وقت انطلقت فيه خدمات مستشفيات جامعية أخرى شيدت في آجال متقاربة، منها المستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط الذي ينجز بوتيرة متسارعة.إن التأخر الحاصل لم يقتصر أثره على المواطنين فقط، بل طال أيضا كلية الطب والصيدلة بأكادير، حيث يجد الأساتذة والأطباء أنفسهم مضطرين للعمل في المستشفى الجهوي الحسن الثاني الذي يفتقر مركبه الجراحي للتجهيزات الأساسية اللازمة لإجراء عمليات كبرى. وهو ما يؤدي إلى تحويل المرضى إلى مراكش حيث المستشفى الجامعي محمد السادس، غير أن هؤلاء المرضى غالبا ما يُرفض استقبالهم بدعوى انتمائهم لجهة سوس ماسة، رغم توفر الجهة على أطباء بروفيسورات أكفاء لكن محرومين من البنية التحتية الملائمة. وهنا يتحول المريض إلى ضحية لـ “الموت البطيء”، نتيجة غياب العدالة الصحية وتعطيل مرفق حيوي صرفت عليه أموال عمومية.وتتجلى الأزمة بشكل صارخ في قسم الولادة بالمستشفى الجهوي الحسن الثاني، حيث الضغط الكبير بسبب إحالة الحالات من مختلف أقاليم الجهة، بما في ذلك عمالة إنزكان أيت ملول. وتتعقد الوضعية أكثر عندما يتعلق الأمر بحالات نزيف ما بعد الولادة التي تستدعي تدخلا عاجلا من طبيب النساء والتوليد، وهو تدخل قد يتأخر أو يتعذر، مما يعرض حياة الأم والجنين لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.إن هذا الوضع يشكل خرقا واضحا للحق في الصحة المنصوص عليه في الفصل 31 من دستور المملكة المغربية، الذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من العلاج والعناية الصحية. كما أنه يتعارض مع قانون حماية المرأة الحامل والجنين الذي يستمد مرجعيته من الاتفاقيات والعهود الدولية التي صادق عليها المغرب، وخاصة:العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 12) التي تكفل الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسدية والعقلية.اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو، المادة 12) التي تلزم الدول الأطراف بضمان حصول المرأة على خدمات ملائمة فيما يخص الحمل والوضع وفترة ما بعد الولادة.التوصيات الأممية المتعلقة بخفض وفيات الأمهات والأطفال، والتي تؤكد على مجانية الولادة كحق أساسي غير قابل للمساومة.وبناءً عليه، فإن استمرار إغلاق المستشفى الجامعي سوس ماسة يشكل إقصاءً ممنهجا للجهة من خدمات صحية متقدمة، ويمثل تهديدا مباشرا لحقوق النساء والأطفال في الرعاية الصحية والسلامة الجسدية، ويضع علامات استفهام كبرى حول ربط المسؤولية بالمحاسبة.إننا اليوم نتساءل بمرارة:من المسؤول عن هذا التأخير؟ ومن يتحمل تبعات حرمان ساكنة سوس ماسة من حقهم المشروع في العلاج، وحرمان النساء من مجانية الولادة في ظروف تحفظ كرامتهن وتصون حياة أجنتهن؟



