الفيلم الوثائقي كلمات كالرصاص.. محاولة التوثيق لتجربة ازنزارن الغنائية

عرف عقد السبعيبيات توهج الأغنية الملتزمة، خاصة على مستوى تجارب المجموعات الغنائية، مما افرز نصوصا ثورية، تمتح من معجم النقد الاجتماعي وأحيانا السياسي القومي، مسايرة في ذلك نمو مدن وأحياء الهامش، كما هو شأن تجارب ناس الغيوان المشاهب، جيل جيلالة، وإزنزارن على مستوى الأغنية الامازيغية في المغرب، المجموعة التي لا تزال تفرض ذاتها واسمها على عشاق الفن الملتزم، رغم أن مسيرتها الإنتاجية ليست منتظمة فآخر إنتاج فني لها يعود إلى أوائل التسعينيات
والمثير بصدد تجربة إزنزارن برئاسة الفنان اكوت عبد الهادي) ، أنها استطاعت ان تخلق لها قاعدة جماهيرية واسعة على صعيد المجال الفني الغنائي المغربي عامة، سلاحها في ذلك طبيعة النصوص الغنائية الموغلة في توظيف اللغة الاستعارية مغلفة بمعجم بدوي، وهو ما يفتح تلك النصوص على تعدد القراءات والتأويل، رغم أن الآلاف من عشاق فن ازنزارن لا يحاولون الانصات المضامين تلك النصوص الغنائية بشكل يضمن استيعاب مضامينها ، مما يجعل تلقي وتحليل تلك الابداعات ينحصر داخل دائرة ضيقة من المثقفين والباحثين..
في فيلمه الوثائقي كلمات كالرصاص، الذي فاز بجائزة تقديرية خلال الدورة الاخيرة من مهرجان إسني وورغ السينمائي، حاول المخرج الفرنسي كريستيان لور التوثيق بالصوت والصورة لتجربة إزنزارن، وهي ثاني محاولة في هذا الاطار، بعد الفيلم الوثائقي الذي انجزته المخرجة المغربية بشرى إيجورك وبثته قناة الجزيرة الوثائقية في زمن سابق، علما بأن الحديث عن تلك التجربة ستتبع غالبا نوعا من البوليميك والنقد المضاد ، بحكم ما عرفته المجموعة من تغيرات على مستوى الاعضاء، وبحكم استناد تجربة ازنزارن على تجربة سابقة عنها، ويتعلق الأمر تحديدا بمجموعة «الاقدام ، التي لازال افرادها الى اليوم يؤكدون أن مجموعة من ابداعاتهم الغنائية سجلت فنيا بأسماء أخرى، ومنها أغان عرفت بها ازنزارن اليوم دون المجموعة التي ابدعتها أصلا، أي لاقدام..
واذا كان المخرج الفرنسي قد اعتمد في عمله على شهادات (بعضها الاعضاء المجموعة، وبعضها الباحثين ومهتمين بالتجربة)، وعلى محاولة نقل نصوص غنائية للمجموعة من الامازيغية الى الفرنسية، مانجا اهتماما ضعيفا للارشيف (صور) مقالات صحف..) ، فإنه تفادى بالكامل إثارة العلاقة القوية، وامتدادات النشأة ارتباطا بمجموعة لاقدام، وهي نقطة أساسية لا اعتقد ان اية محاولة لتوثيق تجربة ازنزارن لها حرية التهرب من طرحها ، كما تفادت شهادات بعض افراد المجموعة ذكر اسم واحد ممن كانوا شاهدين على ميلاد التجربة، وهو على باوسوس، الذي كان له فضل تزويد ازنزارن بأول آلة بانجو وظفتها ، قبل ان تتخلص منه المجموعة بطريقة غامضة، وتمحيه من أي وجود فني، عكس بعض الصور التي بقيت من الارشيف، والتي نلاحظ حضوره واضحا فيها المخرج سقط في فخ بعض الشهادات بدون تمحيصها ، كشهادة الشخص الذي ذكر أن الفنان اكوت عبد الهادي سجن بسبب اغنية الكماض / الافعى، وهي معلومة غير صحيحة على الإطلاق، ولا ندري كيف مررت هل بداعي العشوائية في استثمار الشهادات؟ أم بداعي محاولة الإثارة أكثر، علما بأن المخرج وجد صعوبة في إقناع منتج، قبل أن يحظى عمله بقبول احدى القنوات التلفزية الفرنسية
صحيح أن بعض الشهادات العفوية كانت متميزة، صادقة، كما هو امر الراعي الذي حرص على وضع لثام حول وجهه، كما أن شهادات باحثين من حجم الدكتور صابر عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية باكادير، والدكتور محمد حنداين كانتا في صميم التجربة، لكن حين يتعلق الأمر بفيلم وثائقي يتغيا الحقائق والوفاء لتاريخ معين، فإن مجرد توظيف مشاهد حية من منطقة تأسيس ازنزارن يلغي الطابع التوثيقي المنشود ، فمشاهد بعض أحياء مدينة الدشيرة الجهادية وظفت بشكل اعتباطي لا ينسجم وبدايات التجربة الفنية للمجموعة كما أن محاولات نقل نصوص من الامازيغية نحو الفرنسية، ورغم مجهودات جبارة للاستاذ كوجضاض والاستاذة مكاش، فإن الترجمة كانت في مجموعة من المقاطع شبه حرفية، لم تأخذ بالمعنى، فجاءت مبتورة الدلالة، تقل في قوتها التعبيرية عن النص الأصلي، بل تم نقل المعنى من حقل دلالي معين، إلى حقل مغاير، كما حدث مثلا حين تمت ترجمة جملة (نحن ما بين النار والبارود» الى نحن بين المطرقة والسندان، حيث حرف المعنى من مجال حربي الى مجال ضيق هو مستلزمات مهنة الحدادة، ولا نريد في هذا الجانب تتبع نماذج اخرى كثيرة سارت على نفس الشاكلة، معترفين أصلا بصعوبة نقل النص الامازيغي الى اية لغة أخرى بدون أن يفقد توهجه وقوته
ان الفيلم الوثائقي كلمات كالرصاص لم يضف الكثير على مستوى معطياته، فجل ما ينضح به معروف لدى المهتمين ومتتبعي تجربة إزنزارن، وربما نتج ذلك عن عدم أخذ المخرج لوقته الكافي قبل التصوير والاخراج، فغيب طابع البحث والتوثيق الجيدين بشكل يتضح ولو على مستوى بعض المشاهد التي وظفها بدون بلاغة، كمشهد نساء يقمن بعملية استخراج الزيت من حبات الزيتون، ومشهد أطلال إكودار نواحي تافراوت، فهي مشاهد بحس المشاهد العادي انها فرضت بدون تناسق او انسجام مع تيمة الفيلم الأساسية.
يبقى هذا الفيلم الوثائقي رغم علانه قابلا للتطوير في اعمال وثائق لاحقة، سيما وان تجربة مجموعة « ازنزارن اكوت عبد الهادي» لا تختصر لدى المهتمين في لونها الغنائي فحسب، بقدرما هي ترسيخ لتحولات الرفض عبر العقود خاصة من خلال معانقة هذه المجموعة الملتزمة لقضايا ذات علاقة بتجاويف الذاكرة الامازيغية ومعانات الهامش المهمش، الأمر الذي يفسر بكل وضوحسر استمرار تعطش المتلقي لابداعاتها القديمة والجديدة على حد سواء، وبالتالي فان الاشتغال على هذه التجربة كمحور اساسي لافلام وثائقية مستقبلا يكتسب مشروعيته بكل جلاء ، من خلال الحضور القوي لإزنزارن في ريبرتوار الاغنية المغربية بصفة عامة.
محمد بلوش



