آلية الصلح الزجري كوسيلة بديلة لإنهاء الدعوى العمومية في قانون المسطرة الجنائية

بقلم:  سكينة العمري            

دكتورة في القانون الخاص        

باحثة في القانون الخاص -جامعة ابن زهر أكادير_

مقـــــــــــدمة

إذا كانت السياسة الجنائية تقوم على الردع العام والردع الخاص في إطار سياسة التجريم والعقاب فإن الأمر لم يعد كسابقه، فالمشرع المغربي منذ أمد طويل أصبح هاجسه موضوع الوسائل البديلة في سبيل تكريس لمفهوم دولة الحق والقانون اهتداء للتوجهات التشريعية المقارنة، حيث إن موضوع الصلح الزجري كان من أهم تجليات هذا النمو الجديد من جيل الوسائل البديلة.

وفي سياق تحقيق عدالة تصالحية وفق منهجية إجراءاتية، عمل المشرع المغربي على ادماج آلية الصلح الجنائي كإحدى الوسائل البديلة لفض المنازعات في أصناف محددة من الجرائم.

وبذلك فقد كرس المشرع المغربي بمقتضى القانون رقم 23.03 المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، مؤسسة الصلح الزجري كآلية بديلة لحل بعض المنازعات الجنائية، انسجاما مع توجهات السياسة الجنائية الحديثة، حيث فتح الباب أمام اعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية، انسجاماً مع الفلسفة الحديثة للسياسة الجنائية التي تروم عقلنة الدعوى العمومية وتخفيف الضغط عن المحاكم والمؤسسات السجنية.

 وبالرجوع إلى ديباجة هذا الأخير نجده قد أكد على ما يلي:

 “وبموازاة ذلك، يتعين تطوير الطرق القضائية البديلة، كالوساطة والتحكيم والصلح، والأخذ بالعقوبات البديلة”.

وبالرجوع إلى المادة 4 من ق. م. ج نجدها تنص على أنه: تسقط الدعوى العمومية بالصلح عندما ينص القانون صراحة على ذلك .

وقد منح المشرع المغربي الصلح بمقتضى المادة 41 من  ق.م.ج للمتضرر أو المشتكي به قبل إقامة الدعوى العمومية، وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو اقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000  درهم إمكانية تضمين الصلح الحاصل بينهما في محضر وذلك أمام وكيل الملك ،فإذا وافق عليه تتم إجراءات الصلح وفق منطوق الفصل 41 من ق م ج.

 فالصلح الجنائي يقوم على مبدأ الرضائية، إذ يلتزم خلاله الجاني بتسديد قدر من الغرامات المالية المقررة للفعل الجرمي المقترف من قبله، في مقابل تخلي الضحية عن أحقيته في طلب تحريك الدعوى العمومية.

إذن فمسطرة الصلح تتم تحت إشراف النيابة العامة في حالات محددة ووفق شروط معينة، بهدف التوفيق بين الخصوم، وجبر خاطر الضحية، وتخفيف وطأة الفعل الجرمي عليه.

من هنا تبدو أهمية موضوع الصلح الزجري ودور النيابة العامة فيه، والذي ارتأيت تناوله من خلال مقتضيات المادة 41 من ق.م.ج وعلى ضوء الإشكالية التالية:

كيف يمكن لمقتضيات مسطرة الصلح الزجري من تحقيق عدالة تصالحية ومدى تفعيلها من قبل جهاز النيابة العامة؟

وللإجابة عن الإشكالية أعلاه سوف أقسم موضوعي إلى نقطتين: 

   يراد بنطاق مسطرة الصلح الزجري هو تحديد الجرائم التي يشملها الصلح سواء أكانت مخالفات أو جنح معاقب عليها بغرامة أو بعقوبة حبسية.

بالرجوع إلى المادة 41 من ق.م.ج نجدها تنص على أنه ” يمكن للمتضرر أو المشتكى به قبل إقامة الدعوى العمومية وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما في محضر.

في حالة موافقة وكيل الملك وتراضي الطرفين على الصلح، يحرر وكيل الملك محضرا بحضورهما وحضور دفاعهما، ما لم يتنازل أحدهما على ذلك، ويتضمن هذا المحضر ما اتفق عليه الطرفان.”

إذن من خلال المقتضيات أعلاه يتبين أن الجرائم التي يجوز فيها سلوك مسطرة الصلح تقتضي توفر شروط محددة وهي كالتالي:

– أن تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.

وهذا الشرط ينصب فقط على الأفعال الجرمية، المتفق على عدم خطورتها ونسبية آثارها وإمكانية إعادة تأهيل مرتكبيها بسرعة وسهولة داخل الوسط المجتمعي، أما بالنسبة للجرائم التي تتجاوز مدة العقوبة السالبة للحرية فيها هذه المدة أو تفوق الغرامة المبلغ المنصوص عليه أعلاه، فإنها تظل محتفظة بطابعها الزجري الخطير، الذي لا يتأتى إقامة الصلح بشأنها ولو في حالة احتمال تنازل الضحايا أو الأطراف المشتكية فتظل الدعوى العمومية قائمة.

  -أن يكون الفعل الجرمي موضوع مسطرة الصلح ثابتا في حق المتهم أو المشتبه فيه بوسائل الإثبات المتعارف عليها في الميدان الجنائي طبقا للمادة 286 من ق.م.ج. كاعتراف المتهم المضمن بمحضر الشرطة القضائية أو غيره. 

 – ضرورة توافر رضا الأطراف على الصلح، والموافقة المبدئية لمؤسسة النيابة العامة في شخص وكيل الملك على أطوار الصلح ومضمونه ما لم يتنازل الطرفان أو احدهما عن ذلك مع تضمين الاتفاق الودي المتضمن للصلح و تفاصيله في محضر قانوني.

مظاهر تدخل النيابة العامة في مسطرة الصلح الزجري

تعتبر النيابة العامة هي الجهاز  الرسمي الذي يتلقى طلبات الصلح، وتنطلق هذه المسطرة بطلب الأطراف أو باقتراح منها في الحالة التي لا يظهر مشتكي من الجريمة، أي الطرف المتضرر.

1-طلب محضر الصلح:

جاء في المادة 41 من ق.م.ج أنه يمكن للمتضرر أو المشتكى به قبل إقامة الدعوى العمومية وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبساً أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5.000 درهم، أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما في محضر. 

وهذا يفيد أن مسطرة الصلح في إطار المادة 41 ق.م.ج تنطلق عن طريق تقديم طلب من طرف الأطراف، و يشترط لقبول هذا الطلب أن يتم قبل إقامة الدعوى العمومية وليس بعد قيامها كما ورد في مطلع المادة 41 من ق.م.ج

2-تضمين الصلح:

بعد تقديم الأطراف أو أحدهما الطلب إلى النيابة العامة تنظر هذه الأخيرة في الطلب، حيث يختار بعد ذلك و كيل الملك إما الاستجابة للطلب و فتح مسطرة الصلح أو رفض القيام بذلك.

وتتجلى المهمة المنوطة بوكيل الملك على مستوى هذه المسطرة التصالحية، في القيام بتحرير محضر الصلح الذي يتضمن ما اتفق عليه الطرفان بعد موافقته على طلب الأطراف، ثم بعد ذلك يشعر الطرفان أو دفاعهم بتاريخ انعقاد جلسة غرفة المشورة، وأخيرا يوقع وكيل الملك إلى جانب الأطراف على المحضر الذي تم تحريره.

 خاتمة

وصفوة القول، فالصلح الزجري ليس مجرد وسيلة بديلة لإنهاء الدعوى العمومية، بل هو توجه جديد في العدالة الجنائية يقوم على طابع المرونة بما يخدم النجاعة القضائية.

وبالتالي فله دور مهم في التخفيف على القضاء من كثرة الملفات، التي تعرقل عمل المحاكم وتأثر على البث في أجل معقول مما يكون معه من الجيد فض هذه النزاعات البسيط أمام النيابة العامة ودون سلوك مسطرة الدعوى العمومية.

نشره الاستاذ محمد الباز

Exit mobile version