الهجرة بين العدالة المجالية وإستنهاض الكفاءات المغربية بالخارج

حمل الخطاب الملكي الأخير أمام البرلمان رؤية متجددة لقضية الهجرة في بعدها الإنساني والوطني، رؤية تتجاوز المقاربة الأمنية لتضع التنمية والعدالة المجالية في صلب الحلول المستدامة. فالهجرة في فلسفة الخطاب ليست ظاهرة طارئة، بل إنعكاس لإختلالات تنموية وإجتماعية وإقتصادية تستدعي معالجة جذرية تضمن الكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص.

ومن زاوية متخصص في قضايا الهجرة، يتضح أن جلالة الملك أعاد وضع العدالة الإجتماعية والمجالية في قلب السياسات العمومية، بإعتبارها السبيل الأنجع للحد من دوافع الهجرة غير النظامية. فعندما يشعر المواطن بإنتمائه إلى فضاء يتيح له العمل والعيش الكريم، تتراجع دوافع الهجرة، ويستعاد الإحساس بالأمل في الوطن. إن تعميم التنمية على مختلف الجهات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع آفاق التشغيل، كلها عناصر تشكل صمامات أمان ضد نزيف الهجرة، خاصة في صفوف الشباب.
في المقابل، حمل الخطاب دعوة واضحة لتعبئة كفاءات الجالية المغربية بالخارج في مسار التنمية الترابية. فهؤلاء المغاربة الذين راكموا خبرات علمية ومهنية في كبريات المؤسسات الدولية، يمكن أن يشكلوا رافعة نوعية لتطوير المشاريع الاقتصادية والإجتماعية في أقاليمهم الأصلية، شريطة خلق آليات مؤسساتية مرنة تيسر إنخراطهم، وتوفر لهم التحفيز والثقة والاعتراف. وهنا يبرز دور الإستثمار الخاص للجالية في تجسيد العدالة المجالية عمليا، من خلال مشاريع تسهم في خلق الثروة ومناصب الشغل في مناطق كانت إلى الأمس القريب مهمشة أو منسية.

كما شدد الخطاب الملكي على أهمية الدبلوماسية البرلمانية والحزبية كقوة موازية للدبلوماسية الرسمية. إذ يمكن لهذه القنوات أن تؤدي دور محوري في الدفاع عن مصالح الجالية بالخارج، والتصدي للحملات المغرضة التي تستهدف صورة المغرب ووحدته الترابية، فضلا عن ربط الجسور بين النخب السياسية المغربية ونظيراتها في بلدان الإقامة.
وفي سياق تشجيع المبادرات المحلية وتوفير فرص الشغل للشباب، فإن الرسالة الملكية واضحة، فالتنمية الحقيقية لا تستورد بل تبنى من الداخل. فحين تمنح الفرص وتفتح الآفاق أمام الشباب، يصبح الوطن أكثر جاذبية ويستعيد الكثير من أبنائه المهاجرين الرغبة في العودة والإستثمار.
إن التركيز الملكي على العدالة وتكافؤ الفرص ليس مجرد شعار، بل مشروع وطني متكامل يروم تعزيز الإنتماء والهوية لدى المغاربة داخل الوطن وخارجه. فالإنتماء الحقيقي لا يقاس بالمسافة الجغرافية، بل بالإحساس بالإنتماء لمشروع وطني عادل ومنصف. لتبقى الرسالة التي يمكن أن يلتقطها الشباب المغربي المقيم بالخارج من هذا الخطاب هي أن المغرب يفتح ذراعيه لأبنائه كافة، ويعول عليهم في معركة البناء والتحديث. أما الخطوات العملية المأمولة فتتمثل في تبني سياسات أكثر انفتاح على كفاءات الجالية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتوجيه الإستثمارات نحو المجالات الإنتاجية ذات الأثر الاجتماعي.

ختاما، إن الرسالة الموجهة إلى الجالية المغربية في مختلف بقاع العالم هي أن الوطن ينادي أبناءه، وأن عهد المغرب الجديد هو عهد الشراكة في التنمية والريادة، لا عهد الغياب أو الإغتراب. فالمغرب لا يكتمل إلا بكل أبنائه، من الداخل والخارج، متحدين خلف القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من أجل مغرب العدالة والكرامة والتقدم.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.

Exit mobile version