التحول السريع للفريق الاستقلالي إلى “صوت الشعب” ليس سوى جزء من مناورة سياسية متقنة

مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، اختار الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية أن يظهر بملامح معارضة شرسة، ناسياً – أو متناسياً – موقعه داخل الحكومة ودوره المباشر في صناعة قرارات أفرزت هشاشة اجتماعية واحتقاناً شعبياً غير مسبوق. فالحزب الذي شارك في تدبير ملفات عمومية أثقلت كاهل المواطن، يحاول اليوم تقديم نفسه في ثوب “المدافع عن الشعب” و”الناقد الجريء” لواقع ساهم هو نفسه في تشكيله.
وخلال مناقشة الجزء الأول من مشروع قانون المالية لسنة 2026، رفع الفريق الاستقلالي سقف الخطاب، داعياً إلى وقف شراء الذمم ومحاربة الفساد، وإغلاق باب تدبير الشأن العام في وجه “المفسدين”، مع المطالبة بضخ نخب سياسية جديدة. غير أن مثل هذه الدعوات، وإن بدت جذابة في ظاهرها، تصطدم بواقع لا يمكن تجاهله: الحزب كان طرفاً في “منظومة التدبير” التي رافقتها اختلالات واضحة وساهمت في انتشار نفس الممارسات التي ينتقدها اليوم.
ولم يتردد الفريق في تبني خطاب التعاطف مع احتجاجات “جيل زيد”، دون أن يشير إلى أن جزءاً كبيراً من أسباب الغضب الشعبي ناتج عن تراكمات سنوات من السياسات الحكومية التي شارك فيها الحزب بفعالية، سواء في تدبير القطاعات الاجتماعية أو في غياب رؤية استراتيجية لمعالجة مشاكل الشباب والطبقات المتوسطة والهشة.
كما حاول الفريق استعمال المقارنة بين ميزانيات الصحة والرياضة والمجال الاجتماعي ليظهر بمظهر الحريص على ترتيب أولويات الشعب، لكنه تجاهل مسؤوليته المباشرة في الحكومات التي أشرفت على توزيع هذه الميزانيات دون أن تحقق النتائج المرجوة، لاسيما على مستوى تحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق الاجتماعية.
في المحصلة، يبدو أن التحول السريع للفريق الاستقلالي إلى “صوت الشعب” ليس سوى جزء من مناورة سياسية متقنة، هدفها الأساسي إعادة التموضع وكسب التعاطف قبل الاستحقاقات المقبلة، أكثر مما هو مراجعة نقدية لأدواره السابقة. فالشعارات المرتفعة اليوم لا تمحو بسهولة سجل المشاركة في حكومات واجهت صعوبات واضحة في مكافحة الفقر، وتجويد الخدمات الأساسية، واحتواء الاحتقان الاجتماعي.
وهكذا يجد الحزب نفسه وسط مفارقة لافتة: يريد أن يخلع عباءة الشريك الحكومي ليرتدي فجأة ثوب المعارضة، بينما يدرك المواطنون جيداً أن جزءاً مهماً من الأزمة الراهنة وُلد داخل غرف القرار التي كان الحزب أحد مكوناتها. وهو ما يجعل مصداقية هذا “التحول” موضع سؤال، ويثير الشك حول قدرة هذا الخطاب الجديد على تجاوز حدود المناورات السياسية نحو حلول حقيقية وواقعية.



