في مفارقة تاريخية لافتة، لم تُقدم عليها دولة إسلامية واحدة، ولا حتى تلك التي تتسابق في الانتساب الرمزي لأمجاد الماضي، نجد مقاطعة بريطانية صغيرة تُقدم على خطوة ذات دلالة عميقة: تخليد اسم وصورة القائد المسلم طارق بن زياد على عملتها المحلية. إنها جبل طارق، الأرض التي حملت اسمه منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، والتي ما تزال إلى اليوم شاهدة على عبورٍ غيّر وجه التاريخ.
فقد أقدمت سلطات جبل طارق على إصدار عملة ورقية من فئة خمسة جنيهات إسترلينية تحمل صورة طارق بن زياد، باعتباره رمزًا تاريخيًا مرتبطًا عضوياً بالمكان، وقائدًا فتح الأندلس وحمل الإسلام إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. وتحت الصورة يظهر اسمه مكتوبًا بالأحرف اللاتينية، في اعتراف صريح بالشخصية التي منحها التاريخ – والجغرافيا – اسمها الخالد: جبل طارق، أي جبل طارق بن زياد.
وعلى يسار العملة، تبرز القلعة الإسلامية القائمة عند مضيق جبل طارق، كإشارة بصرية قوية إلى العمق الحضاري الإسلامي للمنطقة، وإلى مرحلة تاريخية لا تزال آثارها المعمارية والثقافية ماثلة رغم تعاقب القرون وتغير السيادات.
اللافت في هذه الخطوة ليس بعدها الرمزي فقط، بل دلالتها السياسية والثقافية. ففي الوقت الذي تكتفي فيه دول عربية كثيرة بوضع صور ملوك أو حكّام معاصرين على عملاتها، دون رصيد تاريخي يُذكر، تذهب مقاطعة أوروبية خاضعة للتاج البريطاني إلى استحضار قائد مسلم من القرن الثامن الميلادي، وتقدمه كجزء من هويتها التاريخية الرسمية.
إنها رسالة مزدوجة: الأولى اعترافٌ بقيمة التاريخ كما هو، لا كما نحب أن نرويه أو نطمسه، والثانية إدانة صامتة لعجزنا نحن عن تكريم رموزنا الكبرى، أو إدماجهم في الذاكرة العامة الحية، خارج الخطب والمقررات المدرسية الباهتة.
طارق بن زياد، الذي أحرق السفن وخطب في جنوده عند بوابات الأندلس، يعود اليوم لا في كتاب تاريخ ولا في مسلسل موسمي، بل على عملة رسمية متداولة في أوروبا. وبينما يُخلّد اسمه هناك بالحبر والورق، يظل السؤال معلقًا هنا:
متى نكفّ عن استهلاك أمجادنا بالكلام، ونبدأ في صيانتها بالفعل؟