أخبار عامة

القانون الجنائي المغربي و محاربة خطاب الكراهية


في زمنٍ تتسع فيه رقعة الفوضى الخطابية، وتتحول فيه المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للتحريض والكراهية، اختار المغرب طريقًا مختلفًا: تحصين المجتمع بالقانون، وترسيخ الاستقرار بالأخلاق، وبناء الدولة بمنطق رابح–رابح.
لقد شكّل القانون رقم 73.15، الذي عدّل فصولًا محورية من القانون الجنائي، خطوة متقدمة في مواجهة كل أشكال التحريض على الفتنة والعنصرية والتمييز، واضعًا حدًا فاصلاً بين حرية التعبير المشروعة وخطاب الكراهية الهدّام.
ترسانة قانونية واضحة… ورسالة حازمة
ينص الفصل 431-5 من القانون الجنائي بوضوح على تجريم كل من حرّض على التمييز أو الكراهية، بعقوبات تتراوح بين الحبس من شهر إلى سنة وغرامات مالية قد تصل إلى 100 ألف درهم، مع تشديد العقوبة حين يتم التحريض عبر الخطب، أو الصياح العلني، أو الملصقات، أو الوسائط الرقمية الحديثة، لتصل إلى ثلاث سنوات حبسًا.
هذه المقتضيات لا تستهدف تكميم الأفواه، بل حماية المجتمع من الانزلاق نحو صراعات هوياتية مصطنعة، وتجفيف منابع الفتنة قبل أن تتحول إلى وقائع ميدانية تهدد السلم الاجتماعي.
المغرب: من بلد عبور إلى واحة استقرار
في محيط إقليمي ودولي مضطرب، لم يعد المغرب مجرد بلد عبور، بل أصبح نقطة توازن واستقرار.
والسبب لا يعود فقط إلى النصوص القانونية، بل إلى نبل أخلاق المغاربة، وتقاليد التعايش الضاربة في التاريخ، حيث شكّل التنوع الثقافي والديني عنصر قوة لا عامل صراع.
هذه الخصوصية جعلت التجربة المغربية تُقارَن اليوم بتجارب دول أوروبية عريقة في مجال محاربة خطاب الكراهية، سواء على المستوى التشريعي أو المؤسساتي.
الرؤية الملكية: أخلاق الدولة قبل صرامة القانون
لا يمكن الحديث عن هذا المسار دون استحضار الرؤية المولوية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، التي جعلت من الإنسان محور السياسات العمومية، ومن الاستقرار ثمرة للعدل، لا للخوف.
فلسفة “رابح–رابح” التي أرساها جلالته، سواء في تدبير الشأن الداخلي أو في علاقات المغرب الدولية، تقوم على الحكمة، والاعتدال، ورفض منطق الإقصاء، وهو ما انعكس مباشرة على طريقة تعاطي الدولة مع قضايا حساسة كالهجرة، والتنوع، وحرية التعبير.
حرية مسؤولة… لا فوضى مقنّعة
إن محاربة خطاب الكراهية لا تعني أبدًا التضييق على الرأي المخالف، بل تعني حماية الحرية من أن تتحول إلى أداة هدم.
فالديمقراطيات الحقيقية لا تُقاس فقط بمدى اتساع هامش التعبير، بل بقدرتها على حماية السلم المجتمعي وكرامة الإنسان.
خلاصة
اختار المغرب أن يواجه الفتنة بالعقل بدل الغريزة، وبالقانون بدل الانتقام، وبالأخلاق بدل الشعبوية.
وهو اختيار جعل منه دولة تحظى بالاحترام، ومجتمعًا متماسكًا، ونموذجًا إقليميًا في زمن تتساقط فيه الدول بسبب كلمة تحريض… أو خطاب كراهية.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button