حين نُتقن الفوز في كرة القدم ونفشل في تدبير الأولويات: قراءة في النجاعة الغائبة

كثيرًا ما يُردَّد في النقاش العمومي قولٌ مفاده: “ليتنا نصل في باقي المجالات إلى ربع ما حققناه في كرة القدم”.
غير أن هذا القول، رغم جاذبيته الخطابية، يفتقر إلى الدقة العلمية، بل ويغفل أساسيات معروفة في الاقتصاد السياسي وعلوم التدبير.
في علم الإدارة، هناك فرق جوهري بين الفعالية والنجاعة.
الفعالية تعني تحقيق الهدف، أما النجاعة فتعني تحقيق الهدف بأقل كلفة ممكنة وبأفضل استثمار للموارد. والخلط بين المفهومين يؤدي إلى استنتاجات مضلِّلة.
ولتقريب الصورة:
كلفت الدورة السابقة لكأس أمم إفريقيا دولة كوت ديفوار حوالي مليار دولار، وانتهت بتحقيق الهدف الرياضي الأسمى: الفوز باللقب.
أما دورة المغرب 2025، فتُقدَّر كلفتها بحوالي خمسة مليارات دولار، تحملها دافعو الضرائب من مختلف جهات المملكة، وفي النهاية ضاع اللقب في سياق طُرح حوله كثير من الجدل، بدعوى تفادي الفوضى أو الاتهامات بـ“الكولسة”.
هنا نحن أمام حالة قد تبدو “فعّالة” تنظيميًا، لكنها فاشلة من حيث النجاعة.
وإذا أردنا مقارنة كرة القدم بباقي القطاعات، فإن المنهج السليم يفرض مقارنة الوسائل قبل النتائج.
فهل حظيت قطاعات التعليم، والصحة، والقضاء، والبحث العلمي، بنفس الدعم السياسي والمالي والمعنوي الذي حظي به قطاع كرة القدم؟
هل وُضعت لها نفس الأولوية في سلم السياسات العمومية؟
الواقع يجيب بوضوح: لا.
لقد استفاد قطاع كرة القدم من دعم استثنائي وشبه غير محدود، شمل:
تمويلات مباشرة من الميزانية العامة
مساهمات ضخمة من المؤسسات العمومية
دعم الجماعات الترابية
أموال الصناديق الخاصة التي يفوق عددها ستين صندوقًا
ويُقدَّر مجموع هذه الموارد بأكثر من 170 مليار درهم، تُصرف في غياب نقاش عمومي حقيقي حول المردودية والرقابة.
وإلى جانب هذا التمويل الرسمي، هناك تمويل غير مباشر عبر عقود الرعاية والإشهار من شركات عمومية، إضافة إلى مساهمات الشركات الخاصة التي تتحرك أساسًا بأموال البنوك، أي بأموال المواطنين المودَعة في النظام المصرفي.
بل إن الإطار القانوني نفسه شجّع هذا التوجه، من خلال إعفاء الشركات الرياضية من مختلف الضرائب إلى غاية سنة 2030، في حين ظلّ البحث العلمي والجامعة العمومية خارج دائرة الاهتمام الحقيقي.
في الاقتصاد السياسي، يقوم التدبير العمومي على مبدئين أساسيين: الندرة والأولوية.
الأولوية تعني أن وضع قطاع ما في الصدارة يتم بالضرورة على حساب قطاعات أخرى.
أما الندرة، فتعني أن الموارد، مهما بدت كبيرة، تبقى محدودة.
إذا كانت الميزانية 100 مليار درهم، وجرى تخصيص 60 مليارًا لكرة القدم، فلن يتبقى لباقي القطاعات سوى 40 مليارًا، مهما حسنت النوايا ومهما تعددت الشعارات.
ولعل المثال الأوضح على هذا الاختلال هو قطاع الصحة.
فقد سبق الإعلان عن مشروع تحفيزي لجعل الصحة العمومية جاذبة للكفاءات الطبية، يقوم على الجمع بين أجر ثابت وتعويضات عن التدخلات الطبية. غير أن هذا المشروع ظل حبرًا على ورق.
اليوم، يشهد القطاع الصحي العمومي نزيفًا غير مسبوق في الموارد البشرية، حيث يعزف الأطباء عن العمل في المناطق البعيدة، وتُسجَّل خصاصات حادة في التخصصات الحيوية.
والأرقام صادمة:
فالاستثمارات العمومية المبرمجة لقطاع الصحة، لفائدة أكثر من 40 مليون مغربي، خلال ثلاث سنوات (2026–2028)، لا تتجاوز 3.5 مليارات درهم.
في المقابل، تجاوزت كلفة تشييد مركب رياضي واحد بالرباط 5 مليارات درهم، مع حديث عن كلفة حقيقية قاربت ضعف هذا الرقم.
هنا لا يتعلق النقاش بكرة القدم في حد ذاتها، بل بترتيب الأولويات.
بدولة تُبدع في تنظيم التظاهرات، لكنها تتعثر في ضمان العدالة الصحية والتعليمية والمجالية.
النجاح الحقيقي للدول لا يُقاس بعدد الكؤوس، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الترفيه والحقوق الأساسية، وبين الحلم الرياضي وكرامة المواطن.



