جزيرة صغيرة، لا تملك موارد طبيعية، لا نفط، لا غاز، ومساحتها ضيقة جداً لدرجة أنها لا تكفي لتكون قوة زراعية كبرى، كان دخل الفرد فيها أقل من معظم دول أفريقيا.
هذا كان حال تايوان في الخمسينيات.
والسر الذي قلب الموازين لم يكن “المال”، بل كان “الاستثمار في العقل”.
في تايوان، لم يكن التعليم “رفاهية”، بل كان يُنظر إليه كقضية أمن قومي.
عندما لا تملك أرضاً غنية، يجب أن تملك شعباً متعلماً ذكياً يمتلك القوة الحقيقية.
وكانت المبادرة من الحكومة التايوانية ،شجعت الحكومة العائلات على توجيه أبنائهم نحو العلوم والهندسة والرياضيات (STEM).
أصبح حلم الشباب التايواني ليس أن يكونوا تجار، بل أن يصبحوا مهندسين يغيروا العالم.
لم تكن الجامعات في تايوان جزرًا منعزلة، بل كانت تعمل جنباً إلى جنب مع معهد ITRI الذي أسسه العبقري موريس تشانغ لاحقاً.
الطالب يتعلم في الصباح، ويطبق في المختبر المسائي ما ستحتاجه المصانع غداً.
في السبعينيات هاجر آلاف التايوانيين المتفوقين إلى أمريكا (وادي السيليكون) بسبب الفقر في بلدهم. و هنا حدثت المعجزة.
بدلاً من اعتبارهم “خونة” أو “مهاجرين”، قامت الحكومة التايوانية بمد الجسور معهم،بل تشجيعهم على التفوق هناك.
وقالوا لهم: “تعلموا في أمريكا، وسننتظركم لتبنوا وطنكم الأم”.
وعندما نضجت الرؤية، عاد موريس تشانغ وغيره من العباقرة، ليس فقط بعلمهم، بل بـ “عقلية الإدارة الرشيدة” ودمجوها مع “الانضباط الآسيوي”.
لنصل إلي الجزء الأكثر إلهاماً في هذه القصة.
في التسعينيات، كانت شركة Intel الأمريكية هي ملكة الرقائق في العالم. كانت تسخر علانية من فكرة TSMC التايوانية، معتبرة إياها مجرد “مسبك” أو “مصنع بسيط” للآخرين.
لكن ماذا فعلت تايوان؟
بينما كانت إنتل تركز على تسويق معالجاتها، كان المهندسون التايوانيون (خريجو الجامعات الوطنية التايوانية) يعملون في المختبرات 24 ساعة يومياً لتحسين “دقة التصنيع”لديهم.
آمن موريس تشانغ أن العلم لا يتوقف.
كان مهندسو TSMC يقرأون أبحاث إنتل نفسها، ويطورون عليها، ويجدون حلولاً لمشاكل عجزت إنتل عن حلها بسبب البيروقراطية.
بفضل هذا التعليم الفني والهندسي المتين، استطاعت تايوان أن تصل إلى مستويات من الدقة (بالنانومتر) تجعل الخطأ فيها مستحيلاً. ونحن اليوم نرى النتائج، فشلت إنتل في مجاراة TSMC، واضطرت في النهاية للذهاب إلى تايوان لتطلب منها تصنيع بعض رقائقها!
تحول المجتمع التايواني من فلاحين فقراء يزرعون الأرز إلى مهندسين يرتدون ملابس بيضاء معقمة في مختبرات تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات،فقط عندما تعلمت أن قوتهم تكمن في عقولهم.
تايوان أثبتت أن “رأس المال البشري” هو المورد الوحيد الذي لا ينضب.
فالمصانع قد تُقصف، والموارد قد تنتهي، لكن المعرفة المخزنة في عقول المهندسين لا يمكن انتزاعها.
اليوم، تايوان ليست مجرد جزيرة؛ إنها “مختبر العالم”.
العالم لا يحمي تايوان من أجل سواد عيونها، بل يحميها لأن نظامه التعليمي أنتج جيلاً صنع “تكنولوجيا” لا يمكن للحضارة الحديثة أن تعيش يوماً واحداً بدونها.
واليوم أي هاتف موجود بين أيدينا أو سياره كهربائيه أو حتى طائرة تطير في السماء ،بها لمسة من لمسات طالب علم تايواني.
التعليم ،ثم التعليم ،ثم التعليم.