ما يقوم به المغرب اليوم ليس مجرد تحديث للجيش… بل بناء قدرة خوض الحرب من داخل حدوده خلال فترة قصيرة جداً، انتقل المغرب من نموذج شراء السلاح الجاهز إلى نموذج أخطر وأكثر عمقاً: تصنيع أدوات القتال نفسها، وصيانتها، وتطويرها محلياً. هذه ليست مشاريع متفرقة ولا صفقات معزولة، بل ملامح واضحة لقيام قاعدة صناعية عسكرية متكاملة تسمح للدولة بالحفاظ على قوتها حتى في أصعب الظروف، بما في ذلك الحروب طويلة الأمد التي تنهار فيها الجيوش المعتمدة على الخارج بسبب نقص الإمدادات أو قطع الدعم السياسي.
أولى هذه التحولات تمثلت في إنشاء مصنع للمدرعات القتالية داخل المغرب بشراكة مع العملاق الهندي Tata Advanced Systems لإنتاج مدرعات 8×8، مع تقديم عروض لتصنيع مدرعات خفيفة 4×4 محلياً أيضاً. أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في امتلاك عربات حديثة، بل في القدرة على إنتاجها باستمرار، إصلاحها، تطويرها، وتعويض الخسائر بسرعة دون انتظار الخارج، وهو عامل حاسم في أي صراع واسع أو طويل. كما يفتح هذا المجال الباب أمام التصدير نحو الأسواق الإفريقية التي تحتاج معدات موثوقة وبكلفة أقل.
التحول الثاني يتمثل في إنشاء مصنع للدرونات الانتحارية من طراز SPYX بمدى يصل إلى نحو 50 كيلومتراً، وهي ذخائر جوالة أثبتت في الحروب الحديثة قدرتها على تدمير الدبابات والمدفعية ومنظومات الدفاع بدقة عالية وبتكلفة منخفضة مقارنة بالصواريخ الثقيلة. امتلاك هذا النوع من السلاح محلياً يعني توفر قدرة ضرب عميقة يمكن استخدامها بكثافة دون استنزاف المخزون الاستراتيجي، كما يمنح القوات البرية أداة فعالة لحسم المعارك دون المخاطرة بالطيارين أو الطائرات المأهولة.
وفي السياق نفسه، يمثل إنشاء مصنع للطائرات بدون طيار بشراكة مع شركة Baykar التركية تحت اسم “أطلس” خطوة نحو امتلاك السيادة في مجال أصبح العمود الفقري لأي جيش حديث. فالدرونات لم تعد مجرد وسيلة استطلاع، بل منصة مراقبة وضرب مستمرة قادرة على التحليق لساعات طويلة، جمع المعلومات الاستخباراتية، توجيه النيران، وتنفيذ الهجمات بدقة عالية. تصنيع هذه الأنظمة داخل المغرب يختصر سنوات من الاعتماد على الاستيراد ويفتح الباب أمام التطوير المحلي وفق طبيعة التهديدات الإقليمية.
أما على مستوى القوة الجوية التقليدية، فإن إنشاء قدرات محلية لصيانة وتحديث مقاتلات F-16 وطائرات النقل C-130 يمثل حجر أساس للحفاظ على الجاهزية القتالية، لأن الطائرات المتطورة تصبح بلا قيمة إذا لم تتوفر لها بنية صيانة متقدمة داخل الدولة. هذه القدرة تضمن بقاء الأسطول الجوي في حالة تشغيل مستمر، وتقليل زمن التعطل، ورفع القدرة على الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ أو الأزمات.
مجتمعةً، لا تشير هذه المشاريع إلى تحديث منفصل لكل فرع من القوات المسلحة، بل إلى بناء منظومة حرب متكاملة تشمل الإنتاج البري، والقدرات الجوية المسيّرة، والذخائر الذكية، والدعم اللوجستي والصيانة، ونقل التكنولوجيا العسكرية. هذه العناصر هي ما يشكّل فعلياً نواة مجمع صناعي عسكري قادر على دعم العمليات القتالية بشكل مستقل نسبياً عن الخارج، وهو الهدف الذي تسعى إليه الدول التي تدرك أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بما تملكه من أسلحة، بل بقدرتها على تعويض الخسائر والاستمرار في القتال.
وإذا استمر هذا المسار، فمن المرجح أن تتوسع القدرات نحو تصنيع الذخائر والصواريخ محلياً، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والرادارات والحرب الإلكترونية، وهي مجالات تمثل الطبقة العليا من الاستقلال العسكري. عندها لن يكون المغرب مجرد مستورد متقدم للسلاح، بل فاعلاً صناعياً قادراً على تزويد نفسه وربما دولاً أخرى أيضاً بالمعدات العسكرية، خصوصاً في إفريقيا التي تفتقر إلى منتجين إقليميين كبار في هذا المجال.
الخلاصة: ما يحدث ليس سباق تسلح تقليدياً ولا استعراض قوة مؤقتاً، بل إعادة بناء عميقة لمنظومة الأمن القومي على أساس الإنتاج الذاتي ونقل التكنولوجيا، وهو خيار استراتيجي طويل المدى تتراكم نتائجه تدريجياً لكنه يغيّر ميزان القوة بشكل حقيقي ومستدام.