تقرير رسمي يرصد تحوّلاً بنيوياً في المجتمع المغربي: انخفاض الخصوبة وارتفاع أمل الحياة

كشف تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط عن تحوّل ديمغرافي عميق يشهده المجتمع المغربي، يتمثل في تراجع معدل الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة سنة 2024، وهو ما يضع المغرب رسمياً تحت عتبة “تجديد الأجيال” المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة، في مسار ديمغرافي يقترب من المعدلات المسجلة بعدد من الدول الأوروبية.

ووفق المعطيات الواردة في التقرير، فإن هذا التراجع لا يُعد ظرفياً أو مرحلياً، بل يعكس تحولاً “بنيوياً” مرتبطاً بتغير أنماط العيش وأولويات الأسرة المغربية. فقد باتت الاستقلالية الاقتصادية للمرأة وتعزيز حضورها في سوق الشغل والتعليم من أبرز العوامل المؤثرة في القرار الإنجابي، في ظل ارتفاع سنوات التمدرس والسعي إلى تحقيق الاستقرار المالي قبل الإقدام على الزواج وتكوين أسرة.

في هذا السياق، ارتفع متوسط سن الزواج الأول لدى النساء إلى 24.6 سنة حالياً، مع توقعات ببلوغه 27.1 سنة في أفق سنة 2040، ما يعكس توجهاً متزايداً نحو تأخير الزواج وتغليب بناء المسار المهني والشخصي. ويواكب هذا التحول الاجتماعي صعود نزعة “الفردانية” وتراجع النموذج التقليدي للأسرة الممتدة، لصالح أنماط أسرية أصغر حجماً وأكثر تركيزاً على جودة العيش.

بالموازاة مع ذلك، سجّل المغرب تحسناً ملحوظاً في مؤشرات الصحة والرفاه، حيث ارتفع أمل الحياة عند الولادة إلى 76.4 سنة، نتيجة توسع الولوج إلى الخدمات الصحية، وتحسن التغذية، وتعميم عدد من البرامج الاجتماعية. وهو ما يضع البلاد أمام معادلة ديمغرافية جديدة: مجتمع يعيش عمراً أطول، لكنه ينجب عدداً أقل من الأطفال.

ويرى متتبعون أن هذا التحول يطرح تحديات استراتيجية على المدى المتوسط والبعيد، خصوصاً ما يتعلق بسوق الشغل، وأنظمة التقاعد، والتوازن بين الفئات العمرية، في ظل احتمال تسارع شيخوخة السكان. وفي المقابل، قد يتيح هذا المسار فرصة لإعادة توجيه السياسات العمومية نحو الاستثمار في الرأسمال البشري، وتحسين جودة التعليم والخدمات، وتعزيز إنتاجية الأجيال الصاعدة.

هكذا، يجد المغرب نفسه أمام مرحلة ديمغرافية جديدة تتطلب قراءة استباقية، توازن بين مكتسبات التنمية الاجتماعية ومتطلبات الاستدامة السكانية، في سياق تحولات عميقة تعيد تشكيل ملامح المجتمع المغربي.

Exit mobile version