الربعة المغربية في القدس: مصحف السلطان المريني شاهد على سبعة قرون من العطاء المغربي للمسجد الأقصى

– “القدس العربي”:
في متحف المسجد الأقصى المبارك، وبين كنوز إسلامية نادرة، تتربع “الربعة المغربية” على عرش المخطوطات القرآنية، حارسةً لذكرى سلطان مغربي خطَّ بيمينه آيات الذكر الحكيم، وحملها من بلاد المغرب الأقصى لتكون وقفاً خالداً على ثالث الحرمين الشريفين. إنها “الربعة المرينية”، المصحف الشريف الذي كتبه السلطان أبو الحسن علي المريني بيده على مدى 35 شهراً، وأرسل نسخة منه إلى القدس عام 745 هجرية (1344 ميلادية)، لتظل شاهداً على امتداد العلاقات المغربية المقدسية عبر العصور .
“هذا بلاغٌ للنَّاس وَلِيُنذَرُوا به…” [سورة إبراهيم: 52]بهذه الآية المذهبة على غلافها، تستقبل الربعة زوارها، وكأنما تخبرهم برسالتها الخالدة.
تاريخ من الذهب والزعفران
“الربعة المغربية” ليست مجرد مصحف عادي، بل هي تحفة فنية نادرة. فقد كتبها السلطان أبو الحسن المريني (733-749 هـ / 1331-1348 م) بخط يده، واستغرق في كتابتها نحو ثلاث سنوات، مستخدماً في ذلك حبراً من الزعفران والمسك المخلوط بالحبر الكربوني، وماء الذهب لتذهيب الآيات والزخارف . وقد كتب المصحف على رق الغزال، بخط مغربي أصيل واضح وجليل، في خمسة أسطر فقط في كل صفحة، تكبيراً وتقديساً لكلام الله .
وتحمل الربعة اسم “الربعة” نسبة إلى صندوقها الخشبي الفريد، وهو صندوق مربع الشكل (ومن هنا جاءت التسمية) مصنوع من خشب الأبنوس، ومغطى بالجلد من الخارج، ومزين بزخارف هندسية ونباتية مذهبة، وأشرطة من الفضة المطعمة بالمينا الزرقاء والصدف . ويحفظ هذا الصندوق أجزاء المصحف الثلاثين، كل جزء في جلده المستقل المصنوع من جلد الريم (الغزال) الضارب للحمرة، والمزين بدوره بزخارف ونصوص كتابية بخيوط الفضة والذهب .
هدية سلطان إلى المسجد الأقصى
لم تكن الربعة مجرد هدية دبلوماسية، بل كانت وقفاً خالصاً لوجه الله تعالى. فقد نصت وقفية المصحف على شروط دقيقة لتلاوته في رحاب المسجد الأقصى، حيث كان يُقرأ منه ختمة كاملة داخل قبة الصخرة المشرفة بعد طلوع الشمس كل يوم، ويُدعى بعدها للواقف ووالديه وذريته ولجميع المسلمين .
ويذكر المؤرخون أن السلطان أبا الحسن كتب ثلاث ربعات بخط يده: إحداها للحرم المكي، والثانية للحرم النبوي، والثالثة للمسجد الأقصى. ولم يبق من هذه الثلاث إلى يومنا هذا سوى نسخة القدس، التي لا تزال محفوظة في المتحف الإسلامي بالمسجد الأقصى، مما يضفي عليها قيمة تاريخية استثنائية .
وصمة الزمن وعبث الأيام
على مدى سبعة قرون، مرت الربعة المغربية بأحداث جسام، وتعرضت لفقدان بعض أجزائها. فخمسة أجزاء من أصل ثلاثين قد فقدت عبر الزمن، فأعيدت كتابتها في العهد العثماني عام 1807م على يد الخطاط الحاج مبارك بن عبد الرحمن المالكي. وفي عام 1932، فقد الجزء الثلاثون منها، ليصبح اليوم 24 جزءاً فقط هي التي لا تزال بخط السلطان المريني الأصيل .
ورغم هذه الخسائر، بقيت الربعة محتفظة ببهائها، بفضل الصندوق الخشبي الذي حمى أجزاءها، وبفضل جودة الرق الذي كتبت عليه، والذي قاوم عوامل التعرية والتآكل بشكل أفضل من الورق العادي .
دراسة أكاديمية معاصرة
ظلت “الربعة المغربية” موضع اهتمام الباحثين، لكنها لم تحظ بدراسة أكاديمية وافية حتى العام 2020، حين أصدرت الباحثة المقدسية والخبيرة في ترميم المخطوطات، سمر زكي نمر، دراسة تاريخية مفصلة عن المصحف. وقد قامت الباحثة، التي ترأس مركز حفظ وترميم المخطوطات في إدارة الأوقاف الإسلامية بالقدس، بتفكيك أحد أجزاء الربعة لدراسته وفق منهج علمي دقيق، وتحليل عناصره الفنية والزخرفية، وإعادة رسم العديد من زخارفه .
وفي تصريح للجزيرة نت، أكدت نمر أن أهمية الربعة المغربية تنبع من كونها النسخة الوحيدة الباقية من مصاحف السلطان أبي الحسن المريني المذكورة في المصادر الإسلامية، إضافة إلى ندرة نسخ السلاطين للمصحف بأيديهم، وقيمتها التاريخية التي لا تقدر بثمن بالنسبة لأهل القدس والمغاربة على حد سواء .
🇲🇦 عظمة مغربية خالدة في القدس
تظل الربعة المغربية في المسجد الأقصى أيقونة للعطاء المغربي لفلسطين والقدس، ودليلاً مادياً على عمق الروابط التاريخية والروحية التي تجمع المغاربة بالمسجد الأقصى. فكما يذكر الباحثون، كان للمغاربة في القدس أوقاف وأملاك ومصاحف تُقرأ يومياً في رحاب المسجد، وكانت “الربعة المرينية” أشهرها وأبقاها على مر العصور .
وقد ورد في وقفية المصحف ما يلي: “وكتب جميعها بخطه عبد الله علي أمير المسلمين ابن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق ملك المغرب نفعه الله ووقفها على التلاوة في المسجد الأقصى” .
بهذه الكلمات، خلد السلطان المريني اسمه في سجلات القدس، وجعل من مصحفه رسالة عابرة للقرون، تخبر زوار المسجد الأقصى وأبناء فلسطين والمغرب والعالم أن المحبة التي تجمعهم بهذه البقعة المباركة كانت ولا تازل تكتب بماء الذهب والزعفران، وتخط بأنامل الملوك.






