في سنة 1815، وعلى امتداد السواحل الفاصلة بين كاب بلان (نواذيبو) والداخلة، لم تكن الصحراء هامشًا منسيًا، بل كانت فضاءً تصنع فيه القبائل موازين القوة، وتُختبر فيه القيم الحقيقية للإنسان.
هناك، وقعت مجموعة من البحارة والقباطنة الأمريكيين في الأسر، بعد حادث بحري، داخل مجال نفوذ قبيلة
الشرفاء أولاد أبي السباع.
لكن ما حدث بعد ذلك… لم يكن حدثًا عاديًا.
في زمن كانت فيه الحروب والابتزاز والمقايضة بالأسرى أمرًا مألوفًا، اختارت قبيلتي مسارًا مختلفًا تمامًا: مسار الرحمة، والعدل، والكرامة.
لم تُساوم بالأسرى… لم تطلب فدية… بل أعادتهم إلى ديارهم سالمين.
ذلك القرار لم يكن مجرد موقف إنساني عابر، بل كان تعبيرًا عن منظومة قيم راسخة داخل قبيلة الشرفاء أولاد أبي السباع، حيث تُصان كرامة الإنسان، سواء كان من الأهل أو من الغرباء.
أحد أولئك الأسرى( بعد ١٠ سنوات اسر .سندلي باسمه لاحقا )، بعد عودته إلى الوليات المتحدة الأمريكية لم ينسَر ما عاشه… بل دوّنه في كتاب، وصف فيه بدقة:
طريقة معاملة الأسرى باحترام
روح العدل التي تحكم العلاقات داخل القبيلة
وكيف أن حتى العبيد كانوا يُعاملون بمعايير إنسانية قائمة على الرحمة والإنصاف
وهذا الكتاب، الذي هو بحوزتي اليوم ومترجم إلى اللغة الفرنسية، ليس مجرد شهادة شخصية، بل وثيقة تاريخية حيّة تنقل صورة مختلفة تمامًا عن الصحراء وأهلها.
وتذهب بعض الروايات ذات الدلالة العميقة إلى أن هذا المؤلَّف وصل إلى Abraham Lincoln، وتأثر بما ورد فيه من معاني إنسانية راقية، خاصة في ما يتعلق بمعاملة العبيد، في فترة كانت الولايات المتحدة تعيش فيها صراعًا حادًا حول هذه القضية.
وسواء اعتبرنا هذا التأثير مباشرًا أو رمزيًا، فإن المعنى الأهم يظل قائمًا: أن القيم حين تُمارَس بصدق، تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير في مجرى التاريخ.
لقد ألغيت العبودية في الولايات المتحدة بعد سنوات، عبر مسار طويل ومعقد… لكن يبقى السؤال المشروع:
هل يمكن لفعل إنساني صادق، صادر من عمق الصحراء، أن يكون قد ساهم في إيقاظ ضمير إنساني في مكان آخر من العالم؟
قبيلة الشرفاء أولاد أبي السباع لم تكن تملك جيوشًا عابرة للقارات… لكنها امتلكت ما هو أعمق:
أخلاق تُمارَس، لا تُرفع كشعارات.
ومن تلك الأخلاق، خرج قرار بسيط في ظاهره: إطلاق سراح أسرى…
لكنه في جوهره كان رسالة خالدة: أن الإنسان يُكرَّم لكونه إنسانًا، لا لجنسيته ولا لقوته.
بقلم خديجة الفلاكي السباعي الإدريسي رئيسة رابطة الشرفاء أولاد أبي السباع بأكادير سوس ماسة