الوجه الآخر للعملة: بين ثقة أمريكا بالمغرب وغرامة الـ15 ألف دولار للجزائر

تحليل صحفي

في تطور دبلوماسي وأمني يحمل الكثير من الدلالات، كشفت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في المغرب عن مشاركة الأجهزة الأمنية المغربية في فريق عمل البيت الأبيض المكلف بتعزيز أمن بطولة كأس العالم 2026، التي تستضيفها أمريكا مشاركة مع كندا والمكسيك. هذا القرار، الذي يضع المغرب في قلب التحالف الأمني الغربي لضمان سلامة أكبر حدث رياضي في العالم، يأتي في مقابل إجراءات أمريكية صارمة ضد الجزائر، شملت فرض تأشيرة سفر باهظة الثمن بلغت قيمتها 15 ألف دولار.

هذه التطورات ترسم ملامح تحولات كبرى في موازين الثقة والشراكات الاستراتيجية بين واشنطن وعواصم المغرب العربي، حيث تتصدر الرباط المشهد كحليف موثوق، بينما تواجه الجزائر تحديات متزايدة في علاقاتها مع الإدارة الأمريكية.

اختيار أمريكي يعكس “نموذجاً” مغربياً في الأمن

لم تأت ثقة واشنطن في الكفاءات الأمنية المغربية من فراغ، بل هي ثمرة سنوات من العمل الاحترافي والناجح للمملكة في تأمين التظاهرات الكبرى. يعترف الخبراء الأمريكيون بأن المغرب أصبح مدرسة متقدمة في هذا المجال، خاصة بعد الاستعراض الأمني المبهر الذي قدمته الرباط خلال احتضانها لكأس إفريقيا للأمم (كان 2025) .

الدليل على ذلك هو الزيارة الاستطلاعية التي قام بها وفد رفيع المستوى من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى المغرب في يناير 2026. لم تكن الزيارة سياحية، بل كانت مهمة عمل صارمة للاطلاع على “البروتوكول الأمني” المطبق في “كان 2025″، والاستفادة من تجربة المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) في استعمال الطائرات بدون طيار (drones) والكاميرات عالية الدقة .

هذا الانبهار الأمني تحول إلى شراكة عملية، حيث تم دمج الخبراء المغاربة مباشرة في غرف القيادة والتحكم الخاصة بتنظيم المونديال، وهو ما يؤكد أن الولايات المتحدة تفضل الاستعانة بالحلفاء الذين يمتلكون جاهزية عملياتية ملموسة على الأرض، وليس فقط مواقف سياسية.

“دكاكين” أمنية متطورة: المغرب يؤمن المونديال من الرباط إلى نيويورك

تعتمد الاستراتيجية الأمنية المغربية، التي جذبت أنظار واشنطن، على فلسفة متكاملة لا تقتصر على منع الشغب، بل تمتد لتشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. خلال فعاليات كأس إفريقيا، كشف المغرب عن ترسانة تقنية ولوجستية متطورة:

  1. المركز الإفريقي للتعاون الأمني: ابتكار مغربي فريد من نوعه، حيث تم إنشاء مركز قيادة يجمع ممثلين عن الشرطة من مختلف الدول الإفريقية المشاركة، بالإضافة إلى خبراء من “فيفا” و”الإنتربول” . هذا المركز لم يؤمن البطولة فحسب، بل شكل نموذجا مصغرا لما يمكن تطبيقه عالميا في مونديال 2026.
  2. التكنولوجيا المسيطرة: تم تسخير أكثر من 700 كاميرا ذكية موزعة على مداخل المدن والمحاور الكبرى، مزودة بأنظمة تعرف على الوجه، بالإضافة إلى فرق متخصصة في الطائرات بدون طيار .
  3. التنسيق العالمي: لم يكتف المغرب بالجهد المحلي، بل استضاف بالرباط مؤخرا “الندوة العلمية الدولية حول أمن التظاهرات الرياضية الكبرى” بحضور “الإنتربول” و”اليوروبول” ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ليؤكد بذلك أنه شريك في وضع المعايير الأمنية العالمية، وليس مجرد تابع لها .

المقاربة الجزائرية: بين عرض الثروات و”عقوبة” التأشيرة

في الجانب الآخر من الحدود، بدت الجزائر في سباق محموم للتقرب من إدارة الرئيس دونالد ترامب، حيث عرضت ثرواتها المعدنية كـ “جواز عبور” للعلاقة مع واشنطن، بل واستقبلت شخصيات دينية أمريكية نافذة، في محاولة لكسب ود البيت الأبيض.

لكن النتائج جاءت معاكسة تماما لهذه التحركات. فبدلا من المكافأة، تلقت الجزائر “عقوبة” مالية وسياسية مزدوجة:

· إبعاد عن الفريق الأمني: بينما تم استدعاء المغرب ليكون جزءا من الحل الأمني لأمريكا، غابت الجزائر تماما عن هذا المشهد.
· الغرامة المالية: في قرار وصفه المراقبون بـ “المهين”، فرضت واشنطن على الراغبين في السفر إليها من الجزائر (وكذا تونس والسنغال) دفع تأشيرة سياحية بقيمة 15 ألف دولار كتأمين بنكي (Bond)، وهو مبلغ خيالي يجعل السفر إلى أمريكا حكرا على الأثرياء فقط، بينما تم إعفاء المغرب والمغاربة من هذه الإجراءات تماما .

الجزائر، التي راهنت على ثرواتها الباطنية لتكون ورقة ضغط، فوجئت بأن واشنطن تقدر الاستقرار والتعاون الأمني الفعال أكثر من مجرد عروض الاستثمار. هذا التجاهل الأمريكي، إلى جانب “عقوبة” الـ15 ألف دولار، يعكس حالة من الإحباط الدبلوماسي الجزائري، حيث تم التعامل معها كدولة “مصدرة لعدم الاستقرار” تستوجب رقابة مشددة على حدودها، بينما صعد المغاربة إلى مصاف الشركاء الموثوقين في واشنطن.

الخلاصة: أمن الحدود ينتصر على ثروات الباطن

تُظهر التطورات الأخيرة أن معادلة النفوذ في المنطقة لم تعد تعتمد فقط على حجم الاحتياطي النفطي أو القدرة الشرائية، بل على مدى قدرة الدولة على أن تكون جزءا من الحل في الملفات الأمنية والاستراتيجية العالمية. المغرب، بخبرته الميدانية واحترافيته، استطاع أن يفرض نفسه كحليف لا غنى عنه لواشنطن في تأمين حدث رياضي ينتظره العالم، بينما الجزائر وجدت نفسها على قائمة “العقوبات” المالية، مما يضعها في موقف صعب ويطرح تساؤلات حول مستقبل تأثيرها الإقليمي. بينما يستعد عشاق الساحرة المستديرة لمونديال 2026، يبدو أن اللعبة الأكثر تعقيدا تجري على أرضية السياسة الدولية، حيث سجل المغرب هدفا في شباك جاره الشرقي قبل صافرة البداية.

Exit mobile version