بقلم / سيداتي بيدا
ما حدث عند سور باب دكالة في مراكش لم يكن مجرد مشهد عابر يُطوى مع مرور الأيام، بل كان لحظة صادمة وضعت سؤالاً حاداً على طاولة النقاش: هل نحن أمام ممارسة لحق مشروع، أم أمام اختبار صريح لمدى صلابة المجتمع وحدود تساهله؟أن تتحول شعائر دينية إلى عرض في فضاء عام مفتوح، فهذا ليس تفصيلاً بسيطاً يمكن تبريره بسهولة. المسألة أعمق من مجرد “حرية معتقد”، لأن الحرية التي تُمارس دون وعي بالسياق تتحول بسرعة إلى استفزاز، بل وإلى فرض رمزي يخلّ بتوازن دقيق داخل مجتمع له مرجعياته وخصوصياته.ردود الفعل الغاضبة لم تأتِ من فراغ، كما أن الأصوات التي دافعت عن الحريات لم تكن كلها على خطأ. لكن بين الطرفين، ضاع جوهر القضية: ليس كل ما هو مسموح قانوناً مقبول اجتماعياً، وليس كل حق يُمارس دون قيود يُعدّ سلوكاً مسؤولاً.الخطير في هذه الواقعة هو ذلك الانزلاق نحو تمييع الحدود. فحين يُفتح الباب أمام ممارسة الشعائر في أي فضاء وبأي شكل، فإننا لا ندافع عن الحرية، بل نؤسس لفوضى صامتة، تتغذى على غياب الضوابط وتكبر تحت غطاء “الحقوق الفردية”.المغرب لم يكن يوماً أرضاً مستباحة للتجارب أو الاستعراضات الدينية خارج إطارها الطبيعي. قوته لم تأتِ من التساهل، بل من التوازن؛ من احترام التعدد، نعم، لكن أيضاً من فرض قواعد واضحة لا تُكسر كلما رُفعت شعارات براقة.المطلوب اليوم ليس خطاباً ناعماً يساوي بين كل المواقف، بل وضوحاً حازماً:حرية المعتقد مصونة، لكن ليس على حساب النظام العام.والفضاء العمومي ليس ساحة مفتوحة لإثبات الحضور الديني أو استعراض الاختلاف.أي تهاون في هذا الميزان لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: احتقان يتراكم بصمت، حتى ينفجر في لحظة لا تنفع معها كل شعارات التسامح.الرهان الحقيقي ليس في الدفاع الأعمى عن الحرية، ولا في رفضها بدافع الخوف، بل في ضبطها بقوة القانون ووعي المجتمع. لأن الحرية، حين تفقد حدودها، تفقد معناها… وتتحول من حق إلى عبء.