أخبار عامة

رفع الالتباس بين أبي مدين الغوث الأندلسي وأبي مدين شعيب العثماني المغربي صاحب وقف القدس


يُعدّ الخلط بين الأعلام المتشابهة أسماؤهم من أبرز أسباب الاضطراب في كتابة التاريخ، ولا سيما حين يتعلق الأمر برجالات التصوف الذين نُسجت حولهم روايات متأخرة امتزج فيها الخبر بالأسطورة. ومن أوضح أمثلة ذلك ما وقع من التباس بين أبي مدين الغوث الأندلسي، أحد كبار أولياء المغرب الإسلامي، وبين أبي مدين شعيب العثماني المالكي المغربي، صاحب الوقف المعروف في قرية عين كارم بالقدس. وقد ترتب على هذا الخلط نسبةُ أفعالٍ وأحداثٍ للأول لا تصح تاريخيًا، وفي مقدمتها دعوى علاقته بصلاح الدين الأيوبي ووقفه للأراضي بالقدس.
إن أبا مدين الغوث، واسمه شعيب بن الحسين الأنصاري الأندلسي، شخصية ثابتة المعالم في المصادر القريبة من عصره. فقد ترجم له أبو يعقوب يوسف التادلي في كتابه التشوف إلى رجال التصوف، وهو من أهم مصادر تراجم صوفية المغرب، فذكر شيوخه وأحواله، وعلى رأسهم الشيخ أبو يعزى، الذي أخذ عنه طريق القوم ونال على يديه ما يُعبَّر عنه عند الصوفية بالفتح والولاية. ولم يذكر التادلي، ولا غيره من المؤرخين المعاصرين أو القريبين من زمن أبي مدين، أيَّ صلة له بالمشرق، ولا رحلة حج، ولا لقاءً مع عبد القادر الجيلاني. وممن سكتوا عن هذه الدعوى – وهي لو صحت لكانت منقبة كبرى – التميمي في المستفاد في مناقب العباد، والصدفي في السر المصون، والغبريني في عنوان الدراية، بل وحتى محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية، مع عنايته البالغة بذكر رجال الطريق. وهذا السكوت الجماعي من مصادر متعددة، متقاربة زمنًا ومكانًا، يُعدّ قرينة قوية على عدم ثبوت تلك الأخبار.
وإذا انتقلنا إلى ما شاع في بعض الكتب المتأخرة من أن أبا مدين التقى بالجيلاني أو أخذ عنه الخرقة، فإن أقدم من أشار إلى ذلك – فيما يظهر – هو صاحب قلائد الجواهر التاذني، المتوفى في القرن العاشر الهجري، أي بعد نحو أربعة قرون من وفاة أبي مدين. ومع هذا البعد الزمني، لم يسق التاذني إسنادًا معتبرًا، بل أورد الخبر بصيغة توحي بالتبرك لا التلقي المباشر، وهو ما يُفقد الرواية قيمتها التاريخية عند التحقيق، إذ القاعدة أن الأخبار المتأخرة إذا خالفت ما استقر في المصادر المعاصرة قُدِّم الأقدم والأوثق.
أما ما يتعلق بنسبة الوقف في القدس إلى أبي مدين الغوث، وربطه بصلاح الدين الأيوبي على أساس مشاركته في معركة حطين ومكافأته على ذلك، فهو من أضعف ما يُتداول في هذا الباب. ذلك أن هذه الدعوى لا تستند إلى مصدر تاريخي معتبر، فضلًا عن أنها تصطدم بحقائق زمنية قاطعة. فقد توفي أبو مدين الغوث سنة 594 هـ، بينما توفي صلاح الدين سنة 589 هـ، أي إن الفارق بينهما يسير، ولم يثبت أصلًا اجتماعهما أو معرفة أحدهما بالآخر. والأهم من ذلك أن الوقف المنسوب إليه مؤرخ بسنة 720 هـ، أي بعد وفاة أبي مدين بنحو ستة وعشرين ومائة سنة، وبعد وفاة صلاح الدين بأكثر من مائة وثلاثين سنة. وهذه مفارقة زمنية صارخة تُسقط الرواية من أساسها، إذ يستحيل عقلًا وتاريخًا أن يكون الوقف صادرًا عن شخص توفي قبل تاريخه بقرن ونيف.
ثم إن النظر في نص الوقفية نفسها يقطع مادة الشك، إذ تنص صراحة على اسم الواقف: “أبو مدين شعيب المغربي العثماني المالكي”. وهذا التقييد بلقب “العثماني” له دلالة نسبية واضحة، لا صلة لها بنسبة أبي مدين الغوث الأنصاري، الذي تُجمع المصادر على أنه أنصاري النسب. ومن هنا يتبين أننا أمام شخصية أخرى تحمل اسم “أبي مدين”، وهو أمر غير مستغرب في العصور الإسلامية، حيث تتكرر الكنى والأسماء في أسر متعددة.
وتؤكد المصادر التاريخية هذا التمييز، إذ تذكر أن أبا مدين شعيب العثماني هو ابن محمد بن أبي مدين، ومن أسرة معروفة تُعرف بآل ابن أبي مدين، وكان عمه عبد الله بن أبي مدين من ذوي المناصب الرفيعة، حيث تولى الحجابة وصاحب القلم الأعلى. ويذكر ابن الأحمر في نثير الجمان ما يدل على مكانة هذه الأسرة وثروتها، الأمر الذي ينسجم تمامًا مع كون أحد أفرادها قادرًا على اقتناء الأراضي وتحبيسها وقفًا، بخلاف أبي مدين الغوث الذي عُرف بالزهد والتجرد، ولم يُعرف عنه ملك واسع ولا عقب يرثه، بل نص التادلي على أن ابنه توفي صغيرًا.
وعليه، فإن نسبة وقف عين كارم إلى أبي مدين الغوث إنما هي نتيجة خلط بين شخصيتين: الأولى صوفية زاهدة من القرن السادس الهجري، والثانية شخصية مدنية ثرية من القرن الثامن الهجري. وقد ساعد على هذا الخلط تشابه الأسماء، وتراخي العصور، واعتماد بعض المتأخرين على الروايات غير المسندة، فضلًا عن نزعة شائعة إلى ربط الأولياء بالأحداث الكبرى والشخصيات التاريخية البارزة، طلبًا للتعظيم أو التبرك.
وخلاصة القول أن التحقيق التاريخي، القائم على تقديم المصادر المعاصرة، ومراعاة التسلسل الزمني، وتحليل الأنساب والألقاب، يفضي بوضوح إلى أن أبا مدين الغوث الأندلسي لا علاقة له بوقف القدس، ولا بصلاح الدين الأيوبي، وأن صاحب الوقف هو أبو مدين شعيب العثماني المالكي، أحد أفراد أسرة ابن أبي مدين، وهو قول تؤيده الوثيقة الوقفية نفسها، وتدعمه القرائن التاريخية المتضافرة. وبذلك يسقط اللبس، ويستقيم الخبر، ويُردّ كل فعل إلى صاحبه، وهو غاية ما يُطلب في صناعة التاريخ.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button