الرباط – بين تقارير غير رسمية ونقاشات متصاعدة
على بعد أشهر قليلة من استحقاقات 23 شتنبر المقبل، يتردد بقوة في الأوساط السياسية والإدارية بالمغرب حديث عن تعديل وشيك في التقسيم الجهوي، قد يُقلص عدد الجهات من 12 إلى 9 فقط. ورغم أن السلطات لم تصدر بعد بلاغًا رسميًا يؤكد هذه المعطيات، فإن مصادر مطلعة تشير إلى أن المشروع قيد الدراسة بهدف تبسيط الإدارة وتحسين حكامة التراب.
ويأتي هذا التوجه، الذي تتابعه الأوساط الحقوقية والمنتخبة باهتمام بالغ، في سياق سعي المملكة إلى ترشيد النفقات وتقريب الإدارة من المواطن، خصوصًا بعد تجربة التقسيم الجهوي لسنة 2015 الذي رفع عدد الجهات من 16 إلى 12.
ملامح التعديل المرتقب
وفق المعطيات المتداولة، فإن التعديل سيمس بعمق الخريطة الجهوية الحالية، أبرزها حذف جهة درعة تافيلالت بشكل كامل، على أن توزع أقاليمها على الجهات المجاورة، في خطوة يُقال إنها تهدف إلى تجاوز الثقل الإداري لهذه الجهة التي تعاني من هشاشة اقتصادية وامتداد جغرافي شاسع.
كما سيشمل التعديل دمج أطراف من جهات أخرى، وإعادة توزيعها لخلق كيانات جهوية أكبر حجماً وأكثر توازناً من حيث الموارد الطبيعية والسكان، الأمر الذي قد يُحدث خلخلة في التوازنات السياسية المحلية، خاصة فيما يتعلق بتمثيلية المجالس الجهوية.
إحداث عمالات جديدة: “اللامركزية” في الواجهة
ما يزيد المشروع تعقيدًا وإثارة للجدل، هو الحديث الموازي عن إحداث 7 عمالات جديدة بهدف تقريب الخدمات الإدارية من المواطنين وتحسين تدبير الشأن المحلي. وتشمل القائمة المتداولة: عمالات القصر الكبير، تاركيست، بوزنيقة، أولاد برحيل، تالوين، المحبس، والكركرات.
وهذه العمالات الجديدة، في حال تم إقرارها، ستُحدث دينامية جديدة في تدبير المدن الكبرى والصاعدة، لكنها ستطرح أيضًا إشكالية تكلفة التوسع الإداري، إذ يُتوقع أن تصاحبها موازنات إضافية وتعيينات في مناصب عليا.
بين الحكامة والانتخابات
توقيت هذه التغييرات – قبل انتخابات 23 شتنبر – يطرح علامات استفهام حول جدواها الانتخابية، وهل ستتمكن الأجهزة المعنية من ترتيب أوراقها التنظيمية واللوجستية في وقت قياسي. فإعادة التوزيع الجهوي ستفرز تغييرًا في الدوائر الانتخابية، وربما في عدد المستشارين الجهويين، ما قد يُربك استعدادات الأحزاب والمرشحين.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الهدف من التعديل هو إنقاذ التجربة الجهوية من بعض اختلالاتها الهيكلية، خصوصًا أن بعض الجهات الحالية تفتقر إلى المقومات الاقتصادية الكافية للقيام بأدوارها التنموية، فيما تعاني جهات أخرى من تضخم سكاني وإداري.
آراء متباينة
ويرى المحلل السياسي رشيد لزرق، في تصريح لموقعنا، أن “التقليص من عدد الجهات قد يكون مفيدًا من حيث تقليص التكاليف الإدارية وتجميع الموارد، لكنه يحتاج إلى حوار جهوي حقيقي قبل إقراره، تفاديًا لأي ردة فعل رافضة من الجهات المعنية بالحذف أو الدمج”.
في المقابل، تحذر نقابية بإحدى الجماعات الترابية من أن “إحداث عمالات جديدة قد يُحدث بيروقراطية إضافية بدل تبسيطها، إذا لم يُرفق بإطار قانوني واضح يحدد الاختصاصات ويُكرس اللامركزية الفعلية”.
الخلاصة: تريث حتى الإعلان الرسمي
وحتى اللحظة، تبقى كل هذه المعطيات في خانة “المتداول”، غير المؤكدة رسميًا، وينتظر أن يحسم فيها المشاورات الجارية داخل الأمانة العامة للحكومة ووزارة الداخلية. وفي جميع الأحوال، فإن أي تعديل في التقسيم الجهوي سيحتاج إلى مراسيم وقوانين تنظيمية، وقد يُطرح للحوار مع الفرقاء السياسيين والمجالس الترابية.
ما يجمع عليه الجميع، أن النقاش حول الجهوية وتقاسم الثروات والسلطات يظل مفتوحًا في المغرب، وأن أي تعديل، مهما كان شكله، ينبغي أن يظل رهينًا بتحقيق هدفه الأساسي: تنمية عادلة وحكامة قريبة من المواطن.