بقلم/ سيداتي بيدا
في سياق يفترض فيه أن تقوم منظومة التعليم العالي والقطاع الصحي على مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص، تبرز حالة الأطباء البياطرة الأساتذة الباحثين بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة كنموذج دال على اختلال بنيوي في تدبير الوضعيات المهنية.
فهذه الفئة، رغم محدودية عددها، تضطلع بوظائف مركبة تجمع بين التكوين الأكاديمي، والإنتاج العلمي، والممارسة السريرية، فضلًا عن الإسهام المباشر في منظومة الصحة العامة من خلال مراقبة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
غير أن هذا التعدد الوظيفي، بدل أن يُترجم إلى تحفيز مؤسساتي وإنصاف مادي، قوبل بإقصاء واضح من منظومة التعويضات المهنية المعتمدة في قطاعات موازية.
إذ يُسجل غياب استفادة هذه الفئة من تعويضات التخصص، وتعويضات الأخطار المهنية، وكذا الأجرة التكميلية المرتبطة بالأنشطة الاستشفائية، رغم تماثل المؤهلات العلمية مع نظرائهم في كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، بل وحتى مع أطباء بياطرة يزاولون في قطاعات عمومية أخرى.
هذا الوضع لا يمكن قراءته كحالة معزولة، بل ينبغي تحليله ضمن إطار أوسع يرتبط بغياب مقاربة مندمجة في صياغة السياسات العمومية المتعلقة بالموارد البشرية الصحية والأكاديمية.
فاستثناء هذه الفئة من مقتضيات تنظيمية حديثة، بما فيها قرارات صادرة سنة 2025، يطرح تساؤلات جوهرية حول معايير الإدماج والإنصاف، وحول مدى انسجام النصوص القانونية مع مبدأ المساواة الذي يكفله الدستور.لقد لجأ المعنيون إلى القنوات المؤسساتية، عبر مراسلات رسمية وتنسيق مع الهيئة الوطنية للأطباء البياطرة، غير أن التفاعل ظل دون مستوى الانتظارات، ما يعكس بطئًا في الاستجابة لقضية تتجاوز بعدها الفئوي لتلامس جودة التكوين والبحث العلمي في مجال استراتيجي.
إن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يُضعف جاذبية المسار الأكاديمي البيطري، ويؤثر سلبًا على دينامية البحث العلمي، كما قد يفتح الباب أمام نزيف الكفاءات نحو قطاعات أو مجالات أكثر إنصافًا.
وهو ما يتعارض مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز الأمن الصحي والغذائي، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالأوبئة والأمراض العابرة للأنواع.بناءً على ذلك، فإن معالجة هذا الملف تقتضي مراجعة شاملة للإطار القانوني والتنظيمي، بما يضمن إدماج الأطباء البياطرة الأساتذة الباحثين ضمن منظومة التعويضات بشكل عادل ومنصف، استنادًا إلى مبدأ تكافؤ الأدوار وتكامل الوظائف.
فإرساء العدالة المهنية لا يمثل فقط التزامًا أخلاقيًا، بل شرطًا موضوعيًا لضمان استدامة منظومة التكوين والبحث في قطاع حيوي .ان الرهان اليوم يتجاوز تسوية وضعية فئة محددة ليشمل إعادة الاعتبار بمنطقة الإنصاف كمرتكز اساسي في بناءسياسات عمومية فعالة وعادلة.