يبدو أن الروايات التاريخية التقليدية التي تزعم أن الأمازيغ قدموا من اليمن أو المشرق تحتاج إلى مراجعة جذرية، فهي لا تتماشى مع النص القرآني ولا مع أحدث الاكتشافات العلمية.
لنتأمل أولاً ما ورد في القرآن الكريم في قصة ذي القرنين: “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا”. الكلمة المفتاحية هنا هي “وَجَدَ”، والتي تشير إلى أنه قابل قوماً كانوا موجودين بالفعل في ذلك المكان (المغرب)، ولم يأتِ ذكر أنهم هاجروا إليه.
وبنفس المنطق، ننظر إلى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما قال: “إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ”. ثم يقول الله: “فَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَأْوِي إِلَيْهِمْ”. التعبير القرآني “تَأْوِي إِلَيْهِمْ” يدل بوضوح على أن المكان كان خالياً أو فارغاً في البداية، ثم بدأت القلوب تحنّ إليه وتقصده.
ويُذكر أن ذا القرنين كان معاصراً لسيدنا إبراهيم عليه السلام. كما أن ملك سبأ (مؤسس مملكة سبأ في اليمن) هو من أحفاد سيدنا إسماعيل عليه السلام. هذا يعني أن عمارة المشرق (اليمن) تمت عبر هجرة من ذرية إبراهيم، مما يؤكد أن الشعوب الأصلية في أماكن أخرى، مثل المغرب، كانت موجودة قبل هذه الهجرات.
إذاً، ما تقوله الأبحاث العلمية الحديثة عن وجود أقدم إنسان في المغرب يتطابق تماماً مع ما يشير إليه القرآن الكريم. لقد أكد العلم أن أقدم آثار بشرية عُثر عليها حتى الآن هي في المغرب الحبيب. وهذا دليل قوي على أن الأمازيغ هم السكان الأصليون، ولم يأتوا من المشرق كما يروّج المؤرخون الذين فقدت مخطوطاتهم المصداقية، لأن التاريخ كما نعرف يُكتب أحياناً وفق أهواء كتّابه.
بل إن دقة التصوير القرآني تتجلى أكثر: في قصة مغرب الشمس، لم يذكر القرآن أن ذا القرنين علّم أولئك القوم كيفية بناء سد أو جدار لحمايتهم من الشمس، ولا أنه قدم لهم أي صنعة أو تقنية. كل ما ذُكر هناك هو قضية العقيدة وتوحيد الله. بينما على النقيض، في قصة المشرق، نجد الحديث عن بناء السد لرأب الصدع بين القوم ويأجوج ومأجوج. هذا الاختلاف هو إشارة قوية إلى أن قوم المغرب لم يكونوا بحاجة إلى تعليم هذه الأمور، لأنهم كانوا أصحاب حضارة وتمكن، وليسوا قادمين من العدم.
وهذا ما يؤكده أيضاً الحديث النبوي الشريف: “لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله”. هذا الحديث يدل على أن المغرب كان يتميز بمكانة خاصة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيبقى متميزاً. واليوم، بعد أربعة عشر قرناً، نشاهد بأعيننا صدق هذه البشرى.
الخلاصة: ما جاء في الوحي (القرآن والسنة) ليس فيه أي تناقض مع الحقائق العلمية الحديثة، بل هو يتطابق معها ويؤكدها. بينما تتهاوى أمام هذا التطابق العديد من “مسلمات” كتب التاريخ القديمة التي ثبتت أكاذيبها والله أعلى وأعلم.