أحمد بوزيد الكنساني في ذمة الله بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتوثيق
تارودانت –
فقدت الساحة الثقافية والأكاديمية بجهة سوس ماسة، أول يوم أمس الاثنين 15 يونيو 2026، أحد أبرز أعلامها، المؤرخ والشاعر الكبير أحمد بوزيد الكنساني، الذي وافاه الأجل المحتوم بعد معاناة مع المرض. وبرحيله، تودع مدينة تارودانت أحد أبرز مؤرخيها، ذلك الرجل الذي كرّس عقوداً من عمره لخدمة الذاكرة المحلية وجمع التراث الشفهي المادي واللامادي للمنطقة.
ملامح من سيرته
وُلد الفقيد في 28 مايو 1948 بدوار تزوضوت، في قبيلة أگنسان بجبال درن بالأطلس الكبير. تلقى تعليمه الأولي في مسجد الدوار بقبيلته، ثم انتقل سنة 1959 إلى المعهد الإسلامي بتارودانت، الذي أسسته جمعية علماء سوس بقيادة العلامة المختار السوسي، بهدف تكوين أطر سوسية أمازيغية تساهم في بناء الدولة وخلق نخبة جديدة.
حصل الكنساني على شهادة البكالوريا من المعهد سنة 1969، ثم التحق بكلية الآداب بفاس حيث نال الإجازة سنة 1973. بعدها ولج الوظيفة العمومية واشتغل في سلك التدريس حتى تقاعده سنة 2005.
مؤلفات خالدة في تاريخ وتراث سوس
لم تكن مسيرة الكنساني البحثية مجرد هواية عابرة، بل كانت مشروعاً علمياً متكاملاً. انخرط في ميدان البحث والتأليف في سن مبكرة، وكان شغوفاً بجمع التراث الشفهي الأمازيغي، من فنون أحواش، والرقص الجماعي، والزجل الشعبي، والرواية الشفوية التاريخية والاجتماعية.
من أبرز مؤلفاته التي خلّفها للأجيال:
· محمد بن سليمان الروداني: من أعلام المغرب في القرن 17م (1990)
· تاريخ الزجل الشعبي بتارودانت: الملحون (1993)
· أحواش: الرقص والغناء الجماعي بسوس – عادات وتقاليد (1996)
· تاريخ تارودانت في العصر الوسيط (1999)
· سيدي وسيدي / أبو محمد صالح بن واندالوس صالح تارودانت (2002)
· تاريخ تارودانت في العصر الحديث: العصر السعدي (2006)
· من تاريخ الأطلس الكبير: الحياة العلمية في جبل درن الغربي (2008)
· الفنون الشعبية بتارودانت: الذاكرة والتاريخ (2020)
كما نشر مقالات ومساهمات فكرية وأدبية في عدة جرائد ومجلات وطنية ومحلية، وترك دواوين شعرية بالعربية والأمازيغية، إضافة إلى مخطوطات لم تُطبع بعد.
إرث ثقافي يمتد لأبعاد متعددة
لم يقتصر عطاء الكنساني على التأليف فقط، بل كان عضواً فاعلاً في الحياة الثقافية بالمنطقة. ساهم في تأسيس جمعيات ثقافية بتارودانت، منها نادي الغد الأدبي ومنتدى الأدب لمبدعي الجنوب. كما كان من بين أوائل المشاركين والمدعمين لأنشطة الجامعة الصيفية بأكادير في نهاية سبعينيات القرن الماضي.
وقد التقت به الكامeras مرات عدة، من أبرزها سنة 2018 حين تم تصوير لقاء تلفزي معه حول رقصة “تاسكيوين” في وثائقي بعنوان “تاسكيوين: رقصة الحرب”، وذلك بعد تصنيفها تراثاً عالمياً لدى اليونسكو. كما لحّن الفنان الراحل عموري مبارك 14 قصيدة من أشعاره.
رحيل يترك فراغاً كبيراً
وقد نعاه مركز سوس ماسة للتنمية الثقافية، معتبراً إياه “مؤرخ حاضرة تارودانت وأرباضها، وحافظ اختام ذاكرتها”. وجاء في نعيه أن رحيله يمثل “مصاباً جليلاً لا راد لقضاء الله”.
هكذا، يغادرنا أحمد بوزيد الكنساني بعد أن أمضى عمره في خدمة التاريخ والتراث، تاركاً خلفه مكتبة غنية ستظل مرجعاً لكل باحث ومهتم بتاريخ سوس وتارودانت. رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وتلامذته ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.