صحفيو الصحراء المغربية بين الإقصاء والمساواة: اعتصام مفتوح أمام وزارة الاتصال و”الكيل بمكيالين” يفضح التناقض


بلادي نيوز – الرباط

لليوم الأربعين على التوالي، يخيم منظر مؤثر على رصيف وزارة الاتصال بحي المنزه بالرباط: عشرات الصحفيين المنحدرين من الأقاليم الجنوبية للمملكة، جاؤوا من قلب الصحراء المغربية حاملين حقائبهم وهمومهم، بل أكتروا منزلاً واحداً على نفقتهم الخاصة، ليحولوه إلى مقر إقامة مؤقت ومركز لاعتصام مفتوح. مطالبهم لا تحمل شعارات سياسية صاخبة، بل هي أبسط من ذلك: المساواة مع إخوانهم الصحفيين في وسط وشمال المملكة في الحصول على دعم الدولة للصحافة.

في مقال ناري بعنوان “الصحفيين في الصحراء المغربية والكيل بمكيالين”، يفضح الكاتب والناشط الحقوقي عبد الله حافيظي السباعي واقعاً مريراً تعيشه المؤسسات الإعلامية في مدن العيون، الداخلة، السمارة، وبوجدور. فبينما توزع وزارة الاتصال ملايين السنتيمترات من المال العام على جرائد “غير مقروءة” ومواقع إلكترونية “تنشر التفاهات والخزعبلات” في الشمال والوسط، تُحرم جرائد ومواقع إلكترونية تصدر في قلب الصحراء وتدافع بشراسة عن الوحدة الترابية من أي دعم يُذكر.

“لا يعقل أن نرى مواقع إلكترونية هزيلة تحتكر الدعم بينما شركاتنا الإعلامية على وشك الإغلاق”، يكتب السباعي.

مشهد مؤثر في زاوية آل البيت

ويضيف الكاتب أن الوضع الإنساني للمعتصمين تجلى بشكل دراماتيكي خلال جلسة أخوية عُقدت زوال يوم الأحد 14 مايو 2026 بمقر الزاوية العالمية لآل البيت ومحبيهم بحي النهضة بالرباط. هناك، بكى بعض الصحفيين وهم يروون حجم الغبن الذي لحق بهم: جرائد متوقفة بالكامل، ومواقع إلكترونية على وشك السقوط، وشركات إعلامية يخنقها صندوق الضمان الاجتماعي بملف ديون تجاوزت مئات الملايين من السنتيمات، تتراكم يومياً دون حل.

يتساءل الصحفيين بمرارة:
“كيف يعقل أن تحرم شريحة من الصحفيين، تحمل قلم الدفاع عن الوحدة الوطنية، من حقوقها المشروعة في الدعم العمومي، بينما تنعم شركات صحفية ‘محظوظة’ في باقي الأقاليم بدعم سخي؟”

الوزير يمر بسيارته الفارهة ولا يستقبلهم

ويسجل السباعي، الذي كان موظفاً سابقاً بوزارة الشؤون الصحراوية في الثمانينيات، أن المعتصمين لم يستقبلهم خلال أكثر من شهر إلا مدير واحد اكتفى بتسجيل أسمائهم. أما وزير الاتصال، فيمر بهم صباح مساء بسيارته الفارهة، دون أن يكلف نفسه بفتح نافذة أو إنزال زجاج سيارته للسلام عليهم، ناهيك عن استقبالهم.

أما النواب البرلمانيون عن الأقاليم الجنوبية، فيصفهم الكاتب بـ”المتغيبين”، مؤكداً أنه لم يتواضع أحد منهم لزيارة المعتصمين، ولا حتى لمعرفة ظروفهم السكنية والمادية والمعنوية. ولم يكد يُستثنى من هذا التجاهل حتى المجلس الملكي للشؤون الصحراوية، الذي لم يوفد أي موظف للاستماع إلى المطالب.

مطالب مشروعة لا امتيازات

يؤكد الصحفيون المعتصمون أنهم لا يطالبون بامتيازات خاصة، بل فقط بمساواتهم بزملائهم في الشمال والوسط، والحصول على نصيبهم العادل من الدعم العمومي المخصص للمقاولات الإعلامية على الصعيد الوطني. ويكتب السباعي بسخرية موجعة:

“لماذا لا تطبق كل القوانين على كافة المغاربة من طنجة إلى الكويرة؟”

ويستشهد الكاتب بما حدث مع مخرجي السينما الذين احتجوا فتم تخصيص صندوق خاص لدعمهم، متسائلاً: “أما الصحفيون فلم يكلفوا أنفسهم حتى باستقبالهم؟”

خمسون سنة من النضال: قصة الحاج عبدالله جداد

في لفتة وفاء جميلة، يخصص الكاتب فقرته الأخيرة للإشادة بـالحاج عبدالله جداد، قيدوم الصحفيين الصحراويين، الذي عرفه الكاتب منذ بداية الثمانينيات شاباً يافعاً موظفاً ببلدية العيون. يقول السباعي:

“عرفته مناضلاً جسوراً لا يخاف في قول الحق لومة لائم. أزيد من خمسين سنة وعبدالله جداد يطالب بحقوق الصحفيين الصحراويين. لكن للأسف: لا حياة لمن تنادي.”

ويختم بعبارة تحمل في طياتها الأمل والتحدي:

“وما ضاع حق وراءه طالب، وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.”

بلادي نيوز: دعوة للمساواة قبل فوات الأوان

في الوقت الذي نجحت فيه الدبلوماسية المغربية في إقناع المجتمع الدولي بمشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يرى مراقبون أن إنصاف صحفيي الصحراء ليس فقط واجباً أخلاقياً وقانونياً، بل هو ضرورة استراتيجية. لأن الإعلام الهادف والصحفي المرتاح في عمله هو أقوى سفراء القضية الوطنية.

هل يستجيب المسؤولون قبل أن يتحول الاعتصام إلى أزمة أخلاقية وسياسية؟

هيئة تحرير جريدة “بلادي نيوز”
الرباط، 15 مايو 2026


Exit mobile version