عملية إنقاذ محفوفة بالغموض، وحادثة هي الثالثة من نوعها خلال عام واحد تضع ميناء أكادير في دائرة الضوء الأمني
أنقذت فرق الإنقاذ البحري الإسبانية، صباح اليوم الأحد، 11 شخصاً من جنسية مغربية كانوا على متن مركب صيد في عرض المحيط الأطلسي، على بُعد حوالي 100 كيلومتر (54 ميلاً بحرياً) جنوب شرق جزيرة لانزاروت الكنارية، في مشهد إنساني يختلط فيه الخير بغموض السرقات البحرية المتكررة.
تفاصيل العملية.. استغاثة في قلب الليل
تعود بداية الواقعة إلى ساعات ما بعد منتصف الليل، وتحديداً بعد الساعة الثانية صباحاً، حين أجرى الركاب الموجودون على متن المركب نداء استغاثة عاجلاً إلى مركز تنسيق الإنقاذ البحري في لاس بالماس. لم يكتفِ المركز بتفعيل خطة الطوارئ فوراً، بل كلف سفينة الإنقاذ “سالفامار الناير” (Salvamar Nair) بالانطلاق من لانزاروت لتقديم المساعدة، في وقت عمّمت فيه السلطات نداءً على جميع السفن العابرة في المنطقة لتحديد موقع المركب المنكوب.
استجابت عبّارة “مدينة فالنسيا” (Ciudad de Valencia) للنداء، وتمكنت من تحديد موقع القارب بدقة، وبقيت بجواره لحين وصول فرق الإنقاذ. وعند الساعة التاسعة صباحاً، وصلت “سالفامار الناير” إلى الموقع المحدد، وبدأت مناوراتها المعقدة لقطر المركب نحو ميناء أريسيفي في لانزاروت، حيث تم توجيه الناجين إليه.
سرقة ميناء أكادير تتكرر.. ثلاث مرات في 12 شهراً
لكن ما يثير الدهشة والقلق في آن واحد، هو التصريح الصادر عن اتحاد لانزاروت للطوارئ، الذي أكد أن المركب المنكوب يُشتبه في أنه مسروق من ميناء أكادير المغربي، وهو ما يحوّل الحادثة من مجرد عملية إنقاذ إلى قضية أمنية معقدة.
وبحسب المعطيات، فإن هذا المركب هو الثالث من نفس الصنف الذي يصل إلى سواحل الجزيرة الكنارية قادماً من أكادير بعد تعرضه للسرقة، وذلك في غضون اثني عشر شهراً فقط، مما يكشف عن نمط مقلق يستدعي التدخل:
· 18 يونيو 2025: وصول مركب أول إلى ميناء أريسيفي كان يقل 14 رجلاً، بينهم قاصر، وتم إنقاذهم.
· 10 سبتمبر 2025: وصول مركب ثانٍ جُنح قبالة سواحل أورزولا، واشتعلت فيه النيران، وكان يقل 5 رجال مغاربة تم إنقاذهم أيضاً.
قراءة في الظاهرة.. بين الهجرة والجريمة المنظمة
تطرح هذه الحوادث المتطابقة تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الرحلات البحرية المحفوفة بالمخاطر. فالموقف هنا يحمل وجهين:
الأول، إنساني، ويتمثل في نجاح آليات التعاون البحري الإسباني-المغربي (غير المباشر) في إنقاذ أرواح 11 شخصاً كانوا على وشك الغرق أو الجنوح، بعدما تعطل محرك مركبهم وتلاعبت بهم التيارات البحرية القوية.
الثاني، أمني وقضائي، يتمثل في استمرار تسجيل عمليات سرقة لمراكب الصيد من ميناء أكادير، واستخدامها في رحلات غير قانونية نحو الجزر الكنارية. هذا التكرار يُثير علامات استفهام كبيرة حول الثغرات الأمنية في الميناء المغربي، وحول الجهات التي تقف وراء تدبير هذه العمليات، وهل هي محاولات هجرة سرية منظمة، أم عمليات إجرامية لبيع المراكب أو استخدامها في أنشطة غير مشروعة؟
دعوة لتحقيق مشترك
في ظل هذا الغموض، تبدو الحاجة ملحة لإجراء تحقيق أمني وقضائي مشترك بين السلطات المغربية والإسبانية لكشف ملابسات هذه السرقات المتكررة، وتحديد مصير المراكب الأصلية، ومعرفة ما إذا كان الركاب الناجون ضحايا لشبكات تهريب، أم أن لهم علاقة مباشرة بتلك السرقات.
ما يبقى مؤكداً هو أن مياه المحيط الأطلسي، التي تُعتبر جسراً طبيعياً بين ضفتين، تتحول أحياناً إلى مسرح لدراما إنسانية وقضائية متجددة، تنتظر من يكشف خيوطها العالقة بين أكادير ولانزاروت.