أزمة “صناعة الرجال” في المغرب.. غياب القدوة وتراجع المسؤولية يهدد مستقبل المجتمع

خبراء وتربويون يحذرون: الأسرة والمجتمع شريكان في بناء شخصية الشاب المغربي


في الوقت الذي تنشغل فيه الأوساط السياسية والاقتصادية بالأزمات المالية والتعليمية، يطل تحذير مغاير من زواية اجتماعية وتربوية، يضع الأصبع على جرح أعمق، يتعلق بـ”أزمة صناعة الرجال” في المجتمع المغربي، وسط مخاوف متزايدة من تراجع قيم المسؤولية والانضباط والتضحية لدى فئة الشباب، في ظل غياب قدوات حقيقية وتفشي ثقافة الاستهلاك والراحة الزائدة.

هل نحن أمام أزمة قيم أم أزمة تنشئة؟

يرى عدد من المختصين في العلوم التربوية والاجتماعية أن ما يُطرح اليوم تحت عنوان “أزمة صناعة الرجال” ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم لسنوات من الممارسات التربوية الخاطئة، وضعف القدوة داخل الأسرة، وتفكك الروابط الاجتماعية، وغياب خطاب تنشئوي واضح يعيد الاعتبار لقيم المسؤولية والعمل والانضباط.

ويشدد هؤلاء على أن المشكلة لا تتعلق بالشباب وحدهم، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع ككل، حيث أصبح العديد من الآباء يعيشون حالة من العجز التربوي، إما لانشغالهم بتدبير متطلبات العيش، أو لتسرب ثقافة التدليل المفرط التي تجعل من تلبية كل طلبات الأبناء سلوكاً طبيعياً، دون وعي بالعواقب البعيدة المدى.

تناقضات التنشئة بين البيت والمدرسة

وتطرح التربوية فاطمة الزهراء بنعلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الرباط، سؤالاً مهماً حول مدى اتساق الأدوار بين المؤسسات التنشئية الأساسية، من أسرة ومدرسة وإعلام ومجتمع، معتبرة أن غياب التنسيق بين هذه المؤسسات يُنتج شباباً يعيش حالة من التيه بين قيم متناقضة.

وتوضح بنعلي في تصريح لها أن “الطفل يتربى في المنزل على قيم الانضباط أحياناً، لكنه يجد في الفضاء المدرسي أو في وسائل الإعلام خطاباً مغايراً، وأحياناً يصل إلى مرحلة المراهقة دون أن يكون قد تلقى أدوات التعامل مع الفشل أو الإحباط، مما يجعله شخصاً هشاً لا يتحمل المسؤولية”.

غياب القدوة.. أخطر التحديات

ويُجمع خبراء التواصل والأسرة على أن غياب القدوة الحقيقية يمثل أخطر التحديات التي تواجه عملية بناء شخصية الشاب المغربي اليوم، ففي غياب نماذج يحتذى بها، سواء داخل الأسرة أو في الفضاء العام، يصبح الشاب عرضة للتيه بين قدوات وهمية يقدمها الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، تقوم على الشهرة والمظهر والثراء السريع، بعيداً عن قيم العمل والإخلاص والصبر.

ويذكر الباحث في قضايا الأسرة والتربية، محمد الرامي، أن “الأسرة المغربية اليوم تواجه تحدياً حقيقياً في ظل تنامي دور التكنولوجيا ووسائل التواصل التي باتت تشكل بيئة موازية للتربية الأسرية، بل أحياناً تتفوق عليها في التأثير، خاصة في غياب رقابة أبوية حازمة وحوار بناء”.

دور المجتمع في دعم التنشئة

وإلى جانب الأسرة، يتحمل المجتمع ككل مسؤولية كبرى في دعم مسار بناء الشخصية المتزنة، من خلال مؤسسات التعليم والرياضة والمساجد ووسائل الإعلام، حيث يرى مختصون أن تفعيل هذه الأدوار يتطلب استراتيجية وطنية شاملة، تنخرط فيها كل الأطراف، ولا تقتصر على الأسرة وحدها.

ويدعو الباحثون إلى إعادة الاعتبار للأنشطة الرياضية والكشفية والتطوعية كمسارات تكوينية تزرع في النفوس روح المبادرة والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية، بعيداً عن ثقافة الاستهلاك السلبي والتلقي غير الناقد لمضامين منصات التواصل.

مسؤولية الأبناء في بناء أنفسهم

في المقابل، لا يُبرئ المختصون الشاب المغربي من المسؤولية، بل يدعونه إلى إدراك أن بناء الذات رحلة شخصية تبدأ بقرار داخلي بالتغيير، وبالوعي بأن الرجولة الحقيقية لا تقاس بالمظهر ولا بالقوة الجسدية فقط، بل بالانضباط، والصبر، والالتزام، والقدرة على مواجهة الصعاب دون انهيار.

ويشددون على ضرورة أن يدرك الشباب أن “الرجولة تُبنى يوماً بعد يوم” بالعلم، والرياضة، والإيمان، والعمل، والالتزام، ومقاومة الكسل والراحة الزائدة، لأن المجتمع المغربي لا يحتاج إلى جيل يبحث عن أقصر الطرق للراحة، بل إلى جيل يصنع الحلول، ويحمي أسرته، ويبني وطنه، ويكون قدوة لأبنائه من بعده.

رسائل للآباء والأمهات

وتتجه أنظار المختصين إلى الآباء والأمهات، الذين يظلون صمام الأمان الأول في تنشئة الأبناء، ويوجهون لهم رسالة واضحة: “إذا ربيتم أبناءكم على أن الحياة سهلة، وأن كل طلباتهم يجب أن تُلبى، وأن الفشل ممنوع، والتعب عيب، فلا تنتظروا منهم أن يكونوا رجالاً يعتمد عليهم غداً”.

ويذكرون بأن التربية على قيم المسؤولية والانضباط تبدأ من الممارسة اليومية، عبر تحميل الأبناء مسؤوليات تتناسب مع أعمارهم، وتعليمهم قيمة الجهد والعمل، وصنع القدوة الحسنة في البيت قبل أي مكان آخر.

الأسرة والمجتمع.. شراكة ضرورية

يظل الرهان الحقيقي في مواجهة “أزمة صناعة الرجال” مرتبطاً بقدرة الأسرة والمجتمع على تجاوز حالة التناقض والانفصام بين القيم التي تُلقن والسلوكيات التي تُمارس، وبمدى الاستعداد للاستثمار في بناء إنسان متوازن نفسياً وأخلاقياً، قادر على حمل المسؤولية والإسهام في بناء وطنه ومستقبل أبنائه.

فالمسألة ليست مجرد أزمة شباب، بل هي أزمة منظومة تنشئوية بأكملها، تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، وتتطلب مراجعة جذرية للأدوار والسلوكيات قبل فوات الأوان، لأن ضياع الرجولة بمعناها العميق للمسؤولية والشهامة والانضباط، لن يخسر الرجل وحده، بل ستخسر الأسرة، وسيدفع المجتمع كله الثمن.

Exit mobile version