بقلم/ سيداتي بيدا
لم يكن ما شهدته مدينة سبها مجرد تنفيذ لعقوبة قضائية، بل كان مشهداً صادماً اختلطت فيه السلطة بالاستعراض، والعدالة بالتشهير، والقانون بمنطق الغوغاء. ففي لحظات قليلة، انتشرت صور جلد امرأة في العلن كالنار في الهشيم، لتتحول الواقعة من إجراء يفترض أن يخضع لأحكام القانون إلى عرض مفتوح للإذلال الجماعي، هز الضمير الليبي وأثار موجة استنكار واسعة داخل البلاد وخارجها.إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس العقوبة في حد ذاتها، وإنما الطريقة التي نُفذت بها. فالعدالة لا تُمارس أمام عدسات الهواتف، ولا تُبنى على التصفيق، ولا تُقاس بعدد المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي. وعندما تتحول العقوبة إلى مشهد استعراضي، فإن أول ضحية لا تكون المرأة وحدها، بل هيبة القضاء نفسه، لأن القانون يفقد وقاره كلما خرج من قاعات العدالة إلى ساحات الفرجة.إن النصوص القانونية، مهما بلغت صرامتها، لم تُشرّع لإذلال الناس أو اغتيالهم معنوياً. فتنفيذ الأحكام له ضوابط واضحة وإجراءات محددة داخل المؤسسات المختصة، بعيداً عن أعين الجمهور، حفاظاً على كرامة الإنسان واحتراماً لسلطة القضاء. أما ما حدث في سبها، فقد تجاوز تلك الضوابط بصورة فاضحة، وحوّل العقوبة إلى وسيلة للتشهير العلني، في مشهد يبعث على القلق أكثر مما يبعث على الشعور بسيادة القانون.ثم يبرز السؤال الذي يرفض أن يغادر المشهد أين الرجل؟ إذا كانت الجريمة وفق ما يُقال لا تقع إلا بطرفين، فلماذا وُضعت المرأة وحدها في قفص الإدانة الاجتماعي، بينما غاب الطرف الآخر عن كاميرات الهواتف وعن ساحة التشهير؟ إنها ازدواجية صارخة تكشف خللاً عميقاً في الثقافة قبل أن تكشف خللاً في الإجراءات، حيث تصبح المرأة وحدها حاملة للعار، بينما يُمنح الرجل فرصة الاختفاء خلف ستار الصمت.إن العدالة التي تفرق بين الناس على أساس الجنس ليست عدالة، وإنما انتقائية تفرغ القانون من روحه، وتمنح المجتمع رسالة خطيرة مفادها أن العقوبة قد تتحول إلى أداة لإذلال فئة بعينها، لا إلى وسيلة لتحقيق الإنصاف.ورغم أهمية قرار الشرطة القضائية بإيقاف المسؤولين عن هذه الواقعة وإحالتهم إلى التحقيق، إلى جانب تحرك المجلس الأعلى للقضاء، فإن المعالجة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأن ما حدث لم يكن مجرد تجاوز إداري، بل مؤشر مقلق على تسلل عقلية الاستعراض والعقاب الشعبوي إلى بعض من يفترض أنهم حراس القانون.فالدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تُختطف العدالة لصالح نزعات الانتقام أو رغبات صناعة المشاهد الصادمة. وهيبة المؤسسات لا تُصان بإذلال المواطنين، بل بتطبيق القانون كما كُتب، لا كما يشتهي اصحاب النفوذ وما جرى في سبها يجب ان يكون نقطة فاصلة لان المجتمعات التي نتسامح مع التشهير باسم العدالة تستيقظ يوما لنكتشف أن الضحية التالية قد تكون هي العدالة نفسها .