مداغ – انطلقت، ضمن فعاليات الاعتكاف الصيفي للطريقة القادرية البودشيشية بمداغ، الحصة الأولى من دروس الفقه المالكي، في مشهد علمي وروحي يجسد نموذج التكامل بين التحصيل الشرعي والتزكية والسلوك، الذي تميز به المغرب عبر قرون.
وتأتي هذه الدروس تحت إشراف شيخ الطريقة، سيدي معاذ القادري بودشيش، في سياق العناية بالعلم الشرعي وترسيخ معالم التدين السني، الذي يقوم على ثلاث ركائز أساسية تمثل هوية المغرب الدينية: عقيدة الأشعري، وفقه مالك، وتصوف الجنيد .
ثوابت الهوية الدينية المغربية
فقد أدرج الفقيه عبد الواحد بن عاشر هذه الثوابت في منظومته التعليمية “المرشد المعين” بقوله:
في عقد الأشعري وفقه مالك… وفي طريقة الجنيد السالك
وهذا الالتحام بين المكونات الثلاثة هو ما ميز التدين المغربي عن غيره، وساهم في خلق انسجام مذهبي وعقدي جنب البلاد كثيراً من القلاقل والفتن التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بسبب الخلافات العقدية . فالزوايا الصوفية، ومنها الزاوية البودشيشية، لعبت دوراً محورياً في نشر هذا النموذج المتوازن، حيث كانت مدارس للعلم ومراكز للتربية الروحية .
دور الزاوية في الحفاظ على المذهب المالكي
ويتميز المذهب المالكي، الذي تتبناه الزاوية في دروسها الفقهية، بمرونته واعتداله، ومراعاته للبعد المقصدي والمصلحي والواقعي، مما يجعله ملائماً لخصوصية المجتمع المغربي . وتأتي دروس الفقه في إطار الاعتكاف الصيفي الذي دأبت عليه الطريقة كل شهر غشت، والذي يزاوج بين مجالس العلم والذكر والتربية، ويهدف إلى الارتقاء بالمعرفة الشرعية والوعي الروحي لدى المشاركين، وتجنيبهم السقوط في براثن الفكر المتطرف والغلو في الدين .
تحت رعاية إمارة المؤمنين
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأنشطة العلمية والروحية تجري تحت الرعاية السامية لإمارة المؤمنين، التي تظل الضامنة للاستقرار والنمو والازدهار، والحافظة للثوابت الدينية والوطنية . فالتصوف المغربي، في نموذجه السني المعتدل، لا يكتمل إلا في إطار من الانسجام مع الدولة وتحت إشرافها المباشر، بما يضمن له الاستمرار والفاعلية ويُحصّنه من الانزلاق أو التسييس .
نسأل الله تعالى أن ينفع بهذه المجالس، وأن يجعلها مجالس علم وذكر وتزكية، وأن يوفق القائمين عليها والمشاركين فيها لما فيه الخير والصلاح، حفظاً للهوية الدينية المغربية الأصيلة، وصوناً لمقوماتها تحت ظل إمارة المؤمنين.