في قلب الصحراء، حيث تلتقي الرمال بالذاكرة، وقفت حامية مغربية صامدة في وجه عاصفة من النار والحديد. معركة بئر إنزران، التي خاضتها القوات المسلحة الملكية في 11 غشت 1979، لم تكن مجرد اشتباك عسكري، بل كانت لحظة فاصلة في مسار الصحراء المغربية، جسّدت فيها روح التضحية والانتماء للوطن.
خلفية المعركة: سباق مع الزمن
تعود جذور المعركة إلى التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة بعد توقيع اتفاقية مدريد في 14 نونبر 1975، والتي أنهت الوجود الإسباني في الصحراء. في 5 غشت 1979، تم التوقيع على اتفاق بين موريتانيا وجبهة البوليساريو في الجزائر، تخلى بموجبه نواكشوط نهائياً عن مطالبه الإقليمية في وادي الذهب . هذا الانسحاب المفاجئ خلق فراغاً استراتيجياً، وسارع المغرب إلى ملئه لحماية وحدته الترابية، متوجهاً بقواته نحو الداخلة.
المواجهة: صمود الأسد في عقر داره
في صبيحة 11 غشت، شنت جبهة البوليساريو هجوماً عنيفاً على حامية بئر إنزران، التي كانت تتألف من حوالي 800 جندي من الفوج الثالث للمشاة الآلية، تحت قيادة المقدم علي مزرد أوزين (الذي وافته المنية مؤخراً في يوليوز 2026) . في المقابل، تحدثت المصادر عن قوة مهاجمة ضخمة تراوحت بين 1500 و3000 مقاتل، مدعومة بحوالي 500 عربة مدرعة وآليات ثقيلة، مما يجسد تفوقاً عددياً ولوجستياً كبيراً للمهاجمين .
استمر القتال العنيف من الساعة السادسة والنصف صباحاً حتى الرابعة عصراً . تطورت المواجهة إلى قتال مباشر بالسلاح الأبيض في بعض المواقع، لكن بفضل التدخل الفعال للقوات الجوية الملكية بطائراتها من نوع F-5 ، وهجوم مضاد بالعربات المدرعة، تمكنت الحامية المغربية من كسر شوكة الهجوم وإفشال محاولة التطويق التي نفذتها قوات البوليساريو.
الخسائر والتداعيات: انتصار استراتيجي
سجل المغرب استشهاد 125 من أبنائه في هذه الملحمة البطولية، في حين كانت خسائر المهاجمين أكبر بكثير، حيث تجاوزت 500 قتيل حسب التقديرات المغربية، مع تدمير عشرات الآليات . وقد أشارت تقارير صحفية، منها ما نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية على لسان الصحفي برنار غيتا، إلى العثور على صناديق صواريخ سوفييتية الصنع في موقع المعركة، مما يعكس حجم الدعم الخارجي الذي كانت تتلقاه الجبهة.
بعد المعركة، تمت ترقية قائد الحامية، المقدم علي مزرد أوزين، إلى رتبة مقدم (عقيد) تكريماً لبطولته . وإن دل هذا الانتصار على شيء، فهو يدل على أن صمود بئر إنزران كان الرسالة الأقوى بأن المغرب مصمم على حماية كل شبر من صحرائه، وأن محاولات النيل من وحدته الترابية مصيرها الفشل، مهما بلغت قوة المهاجمين. وقد خلدت البحرية الملكية المغربية هذه الملحمة بإطلاق اسم “بئر إنزران” على إحدى فرقاطاتها .