لمرأة في مواقع المسؤولية العليا بالمغرب خلال عهد جلالة الملك محمد السادس: مسار مؤسساتي متدرج منذ 1999

نجيب الاضادي

كرس المغرب، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، مسارا متدرجا لتوسيع حضور المرأة داخل فضاءات المسؤولية وصناعة القرار، في تحول لم يقتصر على التمثيلية الحكومية أو الوظائف الإدارية، بل امتد إلى الديوان الملكي والدبلوماسية والإدارة الترابية والمؤسسات الدستورية والاقتصاد والمالية، كما شمل الحقل الديني والتوثيق العدلي والعناية بالقرآن الكريم.

وتشكل المرحومة زليخة نصري إحدى العلامات الأولى لهذا المسار. فقد عينها جلالة الملك يوم 29 مارس 2000 مستشارة لجلالته، لتصبح أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى منصب مستشار للملك، بعد أن كانت مكلفة بمهمة في الديوان الملكي منذ سنة 1998.

وتحمل هذه المحطة دلالة تتجاوز البعد الرمزي، لأن موقع المستشار الملكي يرتبط مباشرة بالمساهمة في دراسة الملفات والقضايا ذات الصلة بالسياسات الكبرى للدولة. كما اقترن اسم زليخة نصري بالأوراش الاجتماعية، وخاصة مؤسسة محمد الخامس للتضامن، ثم مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء.

وفي السنة نفسها، برز حضور المرأة في المجال الدبلوماسي بتعيين عائشة بلعربي سفيرة للمغرب لدى الاتحاد الأوروبي في يوليوز 2000، بما عكس اتجاها نحو إسناد مواقع تمثيل المملكة خارجيا إلى كفاءات نسائية في فضاءات ذات أهمية سياسية واستراتيجية.

غير أن التحول الذي عرفه وضع المرأة في عهد جلالة الملك لم يظل محصورا في مؤسسات الإدارة والسياسة، بل امتد إلى الحقل الديني نفسه، في إطار اختصاص أمير المؤمنين ورعاية جلالته للشأن الديني.

ففي 5 نونبر 2003، الموافق للعاشر من رمضان 1424، أصبحت الأستاذة الجامعية والعالمة رجاء ناجي مكاوي أول امرأة مغربية تلقي درسا من الدروس الحسنية الرمضانية أمام أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، تحت عنوان: «كونية نظام الأسرة في عالم متعدد الخصوصيات»، انطلاقا من الآية الأولى من سورة النساء. وتؤكد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدراج هذا الدرس ضمن سلسلة الدروس الحسنية التي تلقى في حضرة أمير المؤمنين.

وكانت لهذه المحطة دلالة خاصة؛ لأن الدروس الحسنية ليست مجرد محاضرات دينية، وإنما مؤسسة علمية عريقة مرتبطة بإمارة المؤمنين ويحضرها علماء ومفكرون ومسؤولون من المغرب وخارجه. ولذلك فإن دخول امرأة إلى هذا الفضاء العلمي شكل تحولا في حضور العالمات المغربيات داخل التأطير الديني والمؤسسات العلمية.

وهذا المسار امتد لاحقا إلى مجالات أخرى كانت لزمن طويل شبه حصرية على الرجال، ومن أبرزها خطة العدالة.

ففي 22 يناير 2018، أصدر جلالة الملك محمد السادس تعليماته بفتح مهنة العدول أمام المرأة، بعد الاطلاع على رأي المجلس العلمي الأعلى بشأن المسألة. ونظمت في ماي 2018 أول مباراة في تاريخ المملكة مفتوحة أمام النساء والرجال دون تمييز. وتفيد وزارة العدل بأن المسار أسفر، بعد التمرين والامتحان المهني، عن نجاح 277 امرأة في ولوج المهنة.

ولا تنحصر أهمية هذا القرار في فتح مهنة جديدة أمام المرأة، بل تتصل بطبيعة خطة العدالة نفسها، باعتبارها جزءا من منظومة التوثيق المرتبطة بالزواج والطلاق والمعاملات والعقار والإرث وغيرها من التصرفات القانونية. وبذلك دخلت المرأة مجالا ظل تاريخيا مرتبطا بالرجال، ضمن تحول مؤسساتي وقانوني ذي بعد اجتماعي وفقهي في الوقت نفسه.

وفي المجال القرآني، ينبغي التمييز مؤسساتيا بين معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، الذي أحدث بظهير شريف سنة 2013 باعتباره مؤسسة وطنية للتعليم العالي والبحث العلمي متخصصة في القراءات وعلوم القرآن، وبين جائزة محمد السادس في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره التي أحدثت بظهير شريف بتاريخ 16 فبراير 2005.

وقد أتاحت منظومة مسابقات القرآن الكريم مشاركة القارئات والحافظات إلى جانب الرجال، وسجلت نساء مغربيات نتائج متقدمة فيها. ففي سنة 2014، فازت القارئة إيمان الزواتني من الدار البيضاء بالمرتبة الأولى في فرع الحفظ الكامل للقرآن الكريم مع الترتيل ضمن جائزة محمد السادس الوطنية.

وفي سنة 2025، سلم أمير المؤمنين جائزة محمد السادس الوطنية في حفظ القرآن الكريم وتجويده وترتيله للقارئة مريم عصيم، ذات الاثني عشر عاما، من سيدي بنور، بعد فوزها بالمرتبة الأولى. كما عرفت نهائيات دورة 2026 مشاركة 50 فتاة وامرأة من مجموع 234 مشاركا ومشاركة، وفق بيانات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

وتمثل هذه المعطيات بعدا إضافيا في قراءة حضور المرأة خلال عهد جلالة الملك: فمن المرأة العالمة التي تقدم درسا حسنيا، إلى المرأة العدل التي توثق العقود، وصولا إلى الحافظة والقارئة المشاركة والمتوجة في مسابقات القرآن الكريم، أصبح الحضور النسائي جزءا من البنية الدينية والعلمية للمملكة إلى جانب حضوره في الإدارة والدولة.

وبالتوازي مع ذلك، سجلت المؤسسات الحكومية بدورها تحولات متدرجة. فقد شكلت حكومة سنة 2007 محطة بارزة بحضور سبع نساء، من بينهن ياسمينة بادو في الصحة، وأمينة بنخضرة في الطاقة والمعادن والماء والبيئة، ونوال المتوكل في الشباب والرياضة، وثريا جبران في الثقافة، ونزهة الصقلي في التنمية الاجتماعية، ولطيفة العبيدة في التعليم، ولطيفة أخرباش في الشؤون الخارجية.

لكن إحدى المحطات الأكثر دلالة في مسار تأنيث المسؤوليات العليا جاءت سنة 2014، عندما عين جلالة الملك زينب العدوي واليا على جهة الغرب الشراردة بني حسن وعاملا على إقليم القنيطرة، لتصبح أول امرأة تتولى منصب والي في المغرب.

ولم يتوقف مسارها عند الإدارة الترابية، إذ عينها جلالة الملك في 22 مارس 2021 رئيسا أول للمجلس الأعلى للحسابات، لتتولى بذلك قيادة المؤسسة الدستورية المكلفة بالمراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية وتقييم تدبير الأموال العمومية.

وفي القطاع المالي، عين جلالة الملك سنة 2016 نزهة حيات رئيسة للهيئة المغربية لسوق الرساميل، قبل أن تنتقل سنة 2025 إلى الإدارة العامة لصندوق محمد السادس للاستثمار، بما يبرز انتقال الكفاءات النسائية إلى مؤسسات توجد في قلب التمويل والاستثمار وتحريك الاقتصاد.

وفي سنة 2018، عينت لطيفة أخرباش رئيسة للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، كما عينت أمينة بوعياش رئيسة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو المنصب الذي جدد جلالة الملك تعيينها فيه سنة 2025.

وفي 28 مارس 2025، عين جلالة الملك الأكاديمية رحمة بورقية رئيسة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهي مؤسسة دستورية تضطلع بمهام التقييم والاستشارة والاستشراف في أحد أكثر القطاعات ارتباطا ببناء الرأسمال البشري ومستقبل الدولة.

كما تعزز حضور النساء في الدبلوماسية المغربية، سواء عبر تعيين سفيرات في عدد متزايد من العواصم، أو من خلال إسناد بعثات ذات وزن استراتيجي إليهن، ومن ذلك تعيين سميرة سيطايل سنة 2023 سفيرة للمملكة المغربية لدى الجمهورية الفرنسية.

وتكشف هذه المحطات مجتمعة عن دلالات أعمق من مجرد إحصاء عدد النساء في المسؤوليات.

أولى هذه الدلالات هي الانتقال التدريجي من التمثيلية إلى ممارسة المسؤولية الفعلية. فالمؤشر لم يعد مجرد وجود المرأة داخل المؤسسات، وإنما نوعية الاختصاصات المسندة إليها: المال العام، الإدارة الترابية، الأسواق المالية، الاستثمار، الطاقة، الدبلوماسية، حقوق الإنسان، التعليم والتكوين، الإعلام والتنظيم.

أما الدلالة الثانية فهي أن هذا المسار شمل، إلى جانب مؤسسات الدولة الحديثة، مجالات ذات مرجعية دينية ومجتمعية عميقة: الدروس الحسنية، خطة العدالة، القراءات والدراسات القرآنية، ومسابقات حفظ وتجويد القرآن الكريم. وهو ما يجعل تطور حضور المرأة متعدد الأبعاد، ولا يمكن اختزاله في المشاركة السياسية وحدها.

وتتمثل الدلالة الثالثة في أن ما كان في بداية العهد الجديد يبدو تعيينات نسائية استثنائية، تحول مع مرور أكثر من ربع قرن إلى حضور متنوع داخل البنية المؤسساتية المغربية.

ومن زليخة نصري في الديوان الملكي، إلى رجاء ناجي مكاوي في الدروس الحسنية، ومن النساء العدول إلى حافظات القرآن، ومن زينب العدوي في المجلس الأعلى للحسابات إلى أمينة بوعياش ورحمة بورقية ولطيفة أخرباش ونزهة حيات، يتضح مسار مؤسساتي متدرج وسع مجالات مشاركة المرأة وربطها بمواقع المسؤولية والكفاءة.

ويبقى الرهان مستقبلا مرتبطا بمواصلة توسيع قاعدة الكفاءات النسائية، ليس بمنطق التمثيلية العددية وحدها، وإنما في إطار تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالاستحقاق والخبرة والقدرة على التدبير والإنجاز.

وبهذه القراءة، لا يتعلق الأمر بتاريخ أسماء نسائية متفرقة بقدر ما يتعلق بتحول مؤسساتي امتد منذ بداية عهد جلالة الملك محمد السادس إلى اليوم، جعل المرأة أكثر حضورا في فضاءات العلم والدين والإدارة والاقتصاد والدبلوماسية وصناعة القرار.

↑
Exit mobile version