كلنا نعلم أن ملعب أدرار بأكادير خضع لعملية تجديد أولى بمناسبة كأس إفريقيا 2025 بتكلفة ناهزت 4 ملايين دولار، وبعد أشهر فقط انطلقت أشغال مرحلة ثانية تقدر ميزانيتها بنحو 35 مليار درهم (3.5 مليار دولار)، بهدف بلوغ معايير كأس العالم 2030. السؤال الذي يطرحه الرأي العام: لماذا لا يُحافظ على الملعب كما هو ويُبنى ملعب جديد لخدمة حسنية أكادير، بدل إعادة البناء من الصفر؟
ملعب واحد… ومرحلتان من الأموال الضخمة
دُشّن ملعب أدرار سنة 2013. وبمناسبة احتضانه مباريات كأس إفريقيا 2025، خضع لمرحلة تجديد أولى شملت تركيب سقف، وإزالة المضمار، وتجديد مرافق اللاعبين والجمهور، باستثمار ناهز 4 ملايين دولار (حوالي 40 مليون درهم). وأكدت حينها الشركة الوطنية لتدبير المرافق الرياضية أن الملعب “جاهز لاحتضان التظاهرات الكبرى”.
لكن بمجرد انتهاء كأس إفريقيا، انطلقت المرحلة الثانية من الأشغال. وحسب معطيات طلبات العروض العمومية، فقد أحالت الوكالة الوطنية للمنشآت العامة ثلاث صفقات بقيمة إجمالية تناهز 24.19 مليار درهم (2.42 مليار دولار)، تشمل السقف والواجهات والتجهيزات التقنية والكهربائية. وإذا أُضيفت الصفقات السابقة المتعلقة بالهيكل الأساسي (نحو 10.8 مليار درهم)، فإن الغلاف الإجمالي للمرحلة الثانية يقترب من 35 مليار درهم. وتشمل الأشغال توسيع الطاقة الاستيعابية من نحو 41.8 ألف متفرج إلى 46 ألفا، وخفض أرضية الملعب بنحو 4 أمتار، وبناء سقف بانورامي، بغرض بلوغ معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم لاستضافة مونديال 2030.
جوهر الجدل: لماذا لا يُحتفظ بالملعب ويُبنى آخر جديد؟
منطق المتسائلين واضح: ما دام الملعب قد جُدد سنة 2025، فكان بالإمكان الإبقاء عليه بوظائفه الحالية، وتوجيه المليارات المخصصة للمرحلة الثانية نحو بناء ملعب متوسط السعة في منطقة تيكوين، يخدم حسنية أكادير ومركز تكوينها. هكذا يُتجنب هدر الأموال التي صُرفت في التجديد الأول، وتجد الفريق المحلي أخيرا ملعبا خاصا به بعد سنوات من “الترحال” خارج مدينته.
لكن المسار الرسمي اختار طريقا آخر. ففي مارس 2026، صادق مجلس مدينة أكادير على بناء ملعب جديد بطاقة استيعابية تبلغ 15 ألف متفرج، بميزانية تناهز 3 مليارات درهم، في موقع ملعب الحسين مودانيب التاريخي بتيكوين، الذي كان قد هُدم. أي أن الملعب الجديد سيُبنى، لكن أشغال إعادة بناء ملعب أدرار لم تُلغَ.
أصوات معارضة داخل المجلس البلدي
لم يمر هذا القرار بدون اعتراض. فخلال دورة استثنائية لمجلس المدينة في مارس 2026، أثارت المستشارة عن حزب العدالة والتنمية ملاحظات جدية، مشيرة إلى “غموض وعدم شفافية” في اتفاقيات الشراكة المرتبطة بالمشروع. وتساءلت: هل الأمر يتعلق ببناء جديد أم بإعادة تأهيل؟ ولماذا تلتزم الجماعة بدفع 5 ملايين درهم من ميزانيتها في مشروع “يفترض أن تموله الدولة”؟
وأضافت المستشارة أن المشروع عُرض على التصويت دون أن يمر على لجنة الثقافة والرياضة، ما يثير إشكالا مسطريا.
من يقرر؟
حسب المعلومات المتوفرة حول الاتفاقيات، فإن الجهة المحركة للمرحلة الثانية من إعادة بناء ملعب أدرار هي الوكالة الوطنية للمنشآت العامة، والهدف النهائي هو مطابقة معايير الاستضافة لمونديال 2030. أما اتفاقية ملعب تيكوين الجديد فتشمل أطرافا متعددة: جماعة أكادير، وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وزارة الاقتصاد والمالية، جهة سوس ماسة، الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والوكالة الوطنية للمنشآت العامة.
بمعنى أن سلسلة القرار تمتد عبر وزارات ومؤسسات جهوية ومجالس منتخبة، وليست حكرا على جهة واحدة. وهنا بالضبط تكمن إشكالية المحاسبة: عندما توقّع عدة مؤسسات اتفاقيات وتأتي الأموال من مستويات مختلفة، يصعب على المواطن العادي أن يجد جوابا واضحا عن سؤال “من يتحمل مسؤولية الهدر؟”.
خلاصة
الملف ليس مجرد خلاف تقني حول تصميم ملعب. إنه اختبار حقيقي لشفافية تدبير المال العام في مرحلة حساسة يتزامن فيها الاستعداد للمونديال مع أوراش تنموية واجتماعية تحتاج كل درهم. والسؤال المطروح على المسؤولين ليس فقط “كيف سنستضيف 2030؟”، بل أيضا: “كيف نضمن ألا يتحول الاستعداد للمونديال إلى نافذة جديدة لهدر المال العام دون حساب ولا رقيب؟”