الاستنتاج الصادم في استطلاع “بوليتيكو”: الخوف من الحرب يخفي تفوقاً مغربياً في السماء

في الوقت الذي يهدد فيه اليمين الإسباني بشبح “التهديد المغربي” قبيل الانتخابات، تكشف المعطيات الميدانية أن التفوق في مجال الطائرات المسيرة انتقل بشكل حاسم إلى الجانب المغربي، مما يغير قواعد اللعبة الأمنية في مضيق جبل طارق.

كشف استطلاع رأي حديث نشرته صحيفة “بوليتيكو” الأوروبية، يوم 13 أكتوبر الجاري، عن حالة من القلق غير المسبوقة تسيطر على الشارع الإسباني، حيث أعرب 58% من المستجوبين عن اعتقادهم بأن التوترات المستمرة حول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين قد تؤدي إلى اندلاع صراع مسلح مع المغرب في غضون العقد القادم . غير أن هذا الرقم، الذي يبدو صادماً في ظاهره، يخفي تحته واقعاً ميدانياً أكثر تعقيداً، إذ يتزامن هذا “الهلع الشعبي” مع تحول جذري في موازين القوى العسكرية في مجال الطائرات المسيرة لصالح المغرب.

فخ سياسي في توقيت حساس

المعطيات التي أوردها معهد “PF Global”، وأجريت خلال شهر شتنبر الماضي، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي المحموم في إسبانيا. فقد جاء نشر الاستطلاع قبيل أيام قليلة من إعلان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها .

وهنا يكمن الفخ السياسي، إذ يتحول الخوف من “التهديد المغربي” إلى ورقة انتخابية بيد الأحزاب الإسبانية، خاصة اليمين التقليدي وحزب “فوكس” المتطرف. وتشير أرقام الاستطلاع إلى أن 75.7% من ناخبي “فوكس” و68% من ناخبي الحزب الشعبي يعتقدون أن الصراع المسلح مرجح، وهو ما يعكس توظيفاً سياسياً واضحاً لملف حساس . في المقابل، يظل الخطاب الرسمي المغربي هادئاً، مكتفياً بالتأكيد على حماية السيادة والمصالح الوطنية دون الانجرار إلى أي تصعيد لفظي.

تفوق جوي مغربي: المسيرات تغير المعادلة

بينما ينشغل السياسيون في مدريد بترويج سيناريوهات الحرب، تشير التقارير العسكرية المتخصصة إلى حقيقة قد تكون أكثر إقلاقاً لنخبة الأمن الإسبانية: التفوق المغربي في مجال الطائرات بدون طيار.

فقد كشف تقرير لموقع “ESUT” الألماني المتخصص في الشؤون الدفاعية أن المغرب تمكن، خلال السنوات الأخيرة، من بناء أسطول كبير من الطائرات الإسرائيلية بدون طيار، بما في ذلك أنظمة “هيرون” من “صناعات الفضاء الإسرائيلية”، و”هيرميس 450” و”هيرميس 900” من “إلبيت سيستمز” . الأهم من العدد هو أن الرباط باتت تمتلك خبرة عملياتية تمتد لسنوات في استخدام هذه الطائرات المسلحة.

وتتجاوز الطموحات المغربية مجرد الاستيراد، إذ يعمل المغرب على تأسيس قدرات تصنيع محلية بموجب اتفاقيات ترخيص مع شركات إسرائيلية . وقد تجسد هذا التوجه بوضوح خلال معرض مراكش للطيران الذي انعقد في أكتوبر الجاري، حيث وقع المغرب اتفاقية مع شركة “Harmattan AI” الفرنسية لتطوير طائرة مسيرة ذاتية ذات مدى يصل إلى 2000 كيلومتر، تحت اسم “IRIFI”، مع تصنيع مكونات تكنولوجية حساسة داخل المغرب . كما تم التوقيع على إعلان شراكة لتطوير طائرة مسيرة خاصة بالمغرب مع نفس الشركة .

القدرة على الوصول: أرقام تقلق مدريد

الأرقام التقنية لهذه القدرات تفسر جزءاً من القلق الإسباني. فوفقاً للتقرير الألماني، تمتلك عدة أنظمة مسيرة مغربية مدى يتجاوز بوضوح 50 كيلومتراً، مما يجعلها قادرة نظرياً على الوصول إلى أهداف في سبتة ومليلية، بل وحتى مناطق في جنوب البر الإسباني . وقد تجلى هذا التقارب التكنولوجي في حادثة ملموسة الشهر الماضي، عندما أدى تحليق طائرة مسيرة مغربية بالقرب من الحدود إلى تعطيل نهج رحلة تجارية تابعة لشركة “إيبيريا” في مطار مليلية، مما دفع مدريد إلى مطالبة الرباط رسمياً بتعديل ارتفاعات تحليق مسيراتها .

إسرائيل والمغرب وإسبانيا: معادلة معقدة

يزداد المشهد تعقيداً بسبب التباين الصارخ في العلاقات مع إسرائيل. فبينما وسع المغرب تعاونه العسكري مع إسرائيل بشكل كبير منذ تطبيع العلاقات عام 2020، ليصبح ثاني أكبر مورد أسلحة للمملكة بحصة تقارب 24%، فرضت إسبانيا حظراً دائماً على الأسلحة ضد إسرائيل وألغت عقوداً بقيمة تتجاوز 1.2 مليار يورو . هذا التناقض الاستراتيجي يضع إسبانيا في موقف صعب، ليس فقط من حيث القدرات الراهنة، بل أيضاً من حيث الوصول المستقبلي لقطع الغيار والصيانة للأنظمة الإسرائيلية التي سبق أن اقتنتها.

الخلاصة: من التهديد المزعوم إلى الواقع الميداني

الاستنتاج الصادم الذي خلص إليه استطلاع “بوليتيكو” ليس مجرد مؤشر على “هلع شعبي”، بل هو انعكاس لاختلال في الإدراك الإسباني لواقع القوى المتغيرة. ففي الوقت الذي ترفع فيه بعض الأحزاب الإسبانية شعار “التهديد المغربي” لجني مكاسب انتخابية، تثبت الوقائع الميدانية أن المغرب، بفضل استراتيجية تسلح ذكية وتوطين صناعي متسارع في مجال الطائرات المسيرة، أصبح يمتلك قدرات ردع حقيقية تجعل أي مغامرة عسكرية ضد سيادته ومصالحه خياراً باهظ التكلفة. المعادلة انقلبت: إسبانيا هي التي تقلق الآن على مدينتيها المحتلتين، بينما المغرب، بثقة القوي، يركز على التنمية وحماية سيادته، تاركاً الآخرين يغرقون في سيناريوهات الحرب التي لا يريدها هو.

↑
Exit mobile version