الزاوية الوزانية ومشيختها ونخبتها … من أزمة التدبير إلى ضرورة الإصلاح المؤسساتي

محمد التهامي القادري

  لم تعد الزاوية الوزانية اليوم في حاجة إلى مزيد من الخطاب الذي يتغنى بأمجاد الماضي ويكتفي باستحضار مآثره، بقدر ما هي في حاجة إلى شجاعة مؤسساتية واعية تمتلك القدرة على قراءة تاريخها قراءة نقدية متبصرة، تستخلص منه عناصر القوة والدلالة، وتصل إرثها بأسئلة الحاضر واستحقاقات المستقبل. فقد نادينا، في مناسبات ومداخلات متعددة، إلى ضرورة إرساء رؤية استراتيجية تخرج مؤسسات الزاوية من حالة الجمود، وتضع حدا لما يستنزف رصيدها التاريخي، لا رغبة في القطع مع الماضي أو الانتقاص من رمزية الأسلاف، وإنما حرصا على ألا يتحول هذا الرصيد، بفعل الجمود أو ضعف التدبير، إلى عبء يحد من قدرة المؤسسة على مواصلة أدوارها. فالزاوية التي راكمت عبر تاريخها مكانة روحية وعلمية واجتماعية لا يمكن أن تظل أسيرة الصورة التي تشكلت عنها في مراحل سابقة، لأن استمرارية المؤسسات لا تتحقق بمجرد الاحتفاظ بشرعية التاريخ، وإنما بقدرتها على تطوير وظائفها والتفاعل مع التحولات التي يفرضها الواقع. ومن هنا، فإن مقتضيات المرحلة الراهنة تستدعي صحوة مؤسساتية ودينية واجتماعية واعية، تنطلق من مراجعة جادة لواقع الزاوية وآليات اشتغال مؤسساتها، وتعيد ترتيب أولوياتها بما يتيح لها استعادة حضورها وأداء مسؤولياتها في سياق اجتماعي وثقافي متغير، دون أن تتحول هذه المراجعة إلى تنكر للماضي أو انتقاص من مكانة الأسلاف، بل إلى إعادة وصل ذلك الإرث بواقع جديد يستلزم أدوات ووسائل وأساليب مختلفة. غير أن بلوغ هذا الأفق يظل مرتبطا أيضا بقدرة النخبة المنتسبة إلى الزاوية - على اختلاف مواقعها واتجاهاتها - على تجاوز بعض التصورات التي ما تزال تؤطر النقاش، فمنها من ينظر إلى الماضي باعتباره نموذجا قابلا للاستنساخ، ومنها من يتحدث باسم التجديد دون أن يقدم تصورا مؤسساتيا متماسكا يترجم هذا التجديد إلى ممارسة، وبين الموقفين تبرز الحاجة إلى بناء رؤية تتعامل مع التاريخ باعتباره رصيدا للتأسيس لا قالبا جاهزا للاستعادة، ومع الحاضر باعتباره مجالا لإعادة ترتيب الوظائف وتطوير وسائل العمل. فالماضي لا يُستعاد بإعادة إنتاج شروطه وصوره، لأن ما اكتسب فاعليته في سياق تاريخي محدد قد لا يؤدي الوظيفة نفسها في سياق تغيرت شروطه وحاجاته، كما أن تجاوز الماضي لا يعني إقصاءه، وإنما فهمه ضمن سياقه، والتمييز بين ما يحمل قيمة قابلة للاستثمار وبين ما ارتبط بظروف لم تعد قائمة. ومن هذا المنظور، تصبح قراءة الموروث فعلا معرفيا ومؤسساتيا يهدف إلى استثمار ما راكمته الزاوية من قيم وتجارب ودلالات في بناء حاضر أكثر قدرة على الفعل، لا إلى إبقاء ذلك الرصيد في دائرة الذاكرة والاستحضار، وبذلك تغدو صلة الحاضر بالموروث استمرارا واعيا لا استنساخا للماضي ولا قطيعة معه، استمرارا يحفظ جوهر الإرث، ويعيد صياغة وسائل الإفادة منه، ويمنح المؤسسة قدرة متجددة على أداء وظائفها. بحيث يصبح تاريخ الزاوية رصيدا للبناء، ومصدر معرفة وخبرة، وأساسا لإعادة تفعيل مؤسساتها وتعزيز حضورها وصناعة مستقبل أكثر اتزانا وفاعلية.

  وتزداد الحاجة إلى هذه المراجعة حين ندرك أن الحديث عن مؤسسات الزاوية لا ينبغي أن يبقى فضفاضا، فالزاوية ليست جهازا واحدا تتجمع داخله مختلف الوظائف، وإنما تقوم بنيتها المؤسسية، في هذا السياق، على المشيخة والنقابة والنظارة، ولكل واحدة منها مجالها ووظيفتها ومسؤولياتها التي ينبغي أن تتحدد بوضوح، بما يضمن التكامل بينها ويحول دون التداخل أو التعطيل. فالمشيخة، بحكم موقعها، ليست مجرد إطار رمزي أو مكانة اعتبارية، وإنما هي مسؤولية تتطلب التأهيل والكفاءة العلمية والمعرفة بتاريخ الزاوية وأصولها وأدوارها، فضلا عن القدرة على التأطير الروحي والتربوي، وفهم تحولات المجتمع والتفاعل معها، بما يمكنها من توجيه المريدين والمنتسبين وتأدية وظيفتها العلمية والتربوية على نحو ينسجم مع متطلبات المرحلة. كما أن من صميم هذه الوظيفة إعادة بناء الصلات التي ربطت الزاوية تاريخيا بعدد من القبائل والمجالات الاجتماعية، من خلال الاستعانة بالشرفاء الأكفاء الذين ما تزال لهم علاقات وثيقة بتلك القبائل، وجعلهم جسورا وسفراء للتواصل واستعادة الثقة في إطار مؤسسي واضح، إلى جانب تفعيل الوظيفة العلمية والتكوينية عبر الدروس والمجالس العلمية والبرامج التربوية والتكوينية، وفتح المجال أمام الكفاءات، وإعادة وصل الزاوية بالمجتمع الوزاني على أساس من الحوار والإنصات والانفتاح. أما النقابة، فتتصل اختصاصاتها أساسا بشؤون الشرفاء وما يرتبط بالأنساب والانتساب، من حيث التوثيق والتحقق والتنظيم وصيانة الذاكرة النسبية من الالتباس أو الاستعمال غير المنضبط، بما يقتضي أن تكون مؤسسة حية ومنفتحة على البحث العلمي في الأنساب والتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والذاكرة الجماعية، وأن تتعاون، عند الاقتضاء، مع الباحثين والجامعات ومراكز الدراسات لحفظ الوثائق والمصادر وإنتاج المعرفة ذات الصلة. وفي المقابل، ترتبط النظارة بتتبع أملاك الزاوية وأوقافها ومصالحها وإدارتها في حدود الاختصاصات القانونية والمؤسساتية وفي ظل الإشراف المؤسسي للجهة الوصية، وهي مسؤولية لا تختزل في التدبير اليومي، بل تستلزم معرفة دقيقة بالوثائق والحجج والوضعيات القانونية والإدارية والميدانية، ومراقبة ما يطرأ عليها من تغيرات أو تعديات أو منازعات، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية وإدارية لحماية الحقوق وصيانتها واسترجاعها عند الاقتضاء، مع مواكبة المستجدات المرتبطة بمدونة الأوقاف وباقي الأطر القانونية ذات الصلة.

  وهذا التمييز ليس مسألة شكلية يمكن تجاوزها، ولا مجرد اجتهاد في تحديد المصطلحات، بل هو مدخل أساسي لأي إصلاح مؤسساتي جاد. إذ إن وضوح الاختصاصات يحدد المسؤوليات، ويمنع تضارب الأدوار، ويتيح مساءلة الأداء من داخل كل وظيفة دون الخلط بينها. ومن ثم، فإن الإصلاح لا ينبغي أن يبدأ بتغيير الأشخاص بقدر ما ينبغي أن ينطلق من إعادة ترتيب الوظائف وتحديد مجالات العمل وآليات التنسيق بينها، بحيث تعمل المشيخة والنقابة والنظارة في إطار من التكامل لا التداخل، ولكل منها مجال معلوم ومسؤولية محددة وعلاقة تنسيق واضحة مع المؤسستين الأخريين. وبهذا المعنى، يصبح الانتقال من منطق الأفراد إلى منطق الوظائف شرطا ضروريا لاستعادة الفاعلية المؤسساتية، لأن استمرار المؤسسة لا ينبغي أن يرتبط بشخص القائم عليها بقدر ما يرتبط بوضوح وظيفتها، وشروط توليها، وآليات أدائها واستمراريتها. وإذا كانت المشيخة لا تزال قائمة، بما لها وما عليها، رغم ما قد يلاحظ على أدائها من قصور أو محدودية في مواكبة بعض التحولات التي عرفها المجتمع، فإن هذا الوضع يتيح، من حيث المبدأ، إمكان المراجعة والتطوير وإعادة تفعيل الوظيفة بما يلائم متطلبات الحاضر. غير أن الإشكال الأعمق يكمن في وضعية النقابة والنظارة، إذ من المعلوم أن حضورهما في المشهد العملي قد غاب بصورة كاملة، وهو ما يجعل النقاش حولهما يتجاوز مجرد تحسين الأداء إلى سؤال وجود الوظيفة المؤسسية نفسها، وشروط إعادة تفعيلها، وتحديد أسباب تعطلها، والبحث عن الصيغة التي تمكنها من استعادة أدوارها ضمن بنية الزاوية. ومن هنا، فإن أي حديث عن الإصلاح لا يكتمل بالوقوف عند المشيخة وحدها، بل يقتضي النظر إلى المؤسسات الثلاث باعتبارها منظومة متكاملة، يكون اختلال إحداها مؤثرا في أداء الأخرى وفي قدرة الزاوية على تدبير إرثها ووظائفها في الحاضر.

  غير أن الإصلاح المؤسساتي سيظل ناقصا إذا لم يصاحبه إصلاح في مفهوم النخبة نفسها، فالنخبة التي تحتاجها الزاوية اليوم ليست مجرد نخبة تستند إلى الانتساب أو المكانة الاجتماعية، وإنما نخبة تجمع بين الكفاءة والمعرفة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، وتمتلك رؤية تتجاوز ردود الأفعال والحسابات الضيقة إلى استيعاب التحولات وبناء حلول قابلة للتنفيذ. ومن هذا المنظور، فإن الأصوات التي تدعو من داخل صفوف الشرفاء إلى مراجعة البناء المؤسسي ينبغي ألا تظل في حدود المواقف الفردية أو النقاشات المتفرقة، بل يمكن أن تتحول إلى مبادرة مؤسساتية تفتح نقاشا تشاوريا منظما، يشارك فيه الشرفاء والكفاءات العلمية والقانونية والاجتماعية، ويكون هدفه وضع تصور واقعي للإصلاح، على أساس أن مصلحة الزاوية وموروثها ينبغي أن تتقدم على الحسابات الشخصية، وأن الاختلاف في الرأي لا يتحول إلى عائق أمام البحث عن الصيغة الأنسب لاستمرار المؤسسة وتطوير أدوارها. وعلى المستوى العملي، يمكن أن يبدأ هذا المسار بجرد مؤسسات الزاوية واختصاصاتها ووضعها الراهن، وتحديد مواطن التعطل والتداخل، ثم وضع إطار واضح للوظائف والمسؤوليات وآليات التنسيق، يليه العمل على جمع الوثائق والمصادر المتعلقة بالزاوية وترتيبها وحفظها بما يصون ذاكرتها ويجعلها مادة للبحث العلمي، مع إعادة الاعتبار لدورها العلمي والتكويني من خلال الدروس والمجالس والبرامج والمبادرات التي تستجيب لحاجات المجتمع، وفتح قنوات للحوار مع أهل وزان والشرفاء والباحثين والفعاليات ذات الصلة، بما يعيد بناء الثقة على قاعدة الإنصات والانفتاح والمشاركة. كما يقتضي الإصلاح إعادة النظر في وظيفة المناسبات والملتقيات، وفي مقدمتها موسم مولاي عبد الله الشريف، بحيث تكون وسيلة لإحياء الصلة بالموروث وتعزيز التواصل العلمي والاجتماعي، لا غاية تختزل فيها وظيفة الزاوية. ويواكب ذلك اعتماد قدر أكبر من الوضوح في التدبير، وإتاحة المعطيات التي تسمح بالمراقبة والتقييم، بما يعزز الثقة ويجعل العمل المؤسساتي قابلا للتطوير والمراجعة المستمرة.

  وخلاصة الأمر أن مستقبل الزاوية الوزانية لا يتحدد بمدى قدرتها على استحضار ماضيها، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الماضي إلى وعي مؤسسي متجدد يستجيب لتحولات الحاضر دون أن يفقد صلته بجذوره. فالإرث، مهما بلغت قيمته، لا يكتسب راهنيته بمجرد بقائه محفوظا في الذاكرة، بل حين يتحول إلى معرفة حية، وممارسة مسؤولة، وأدوار واضحة تخدم الإنسان والمجتمع. ومن هذا المنظور، لا يعود الإصلاح مجرد تصحيح لاختلالات ظرفية، بل يصبح فعلا واعيا لإعادة بناء العلاقة بين الذاكرة والمؤسسة والوظيفة، بما يعيد لكل منها موقعها ودورها ضمن منظومة متكاملة. فاستمرار الزاوية لا يتحقق باستنساخ الماضي أو الارتهان لصورته، وإنما بامتلاك القدرة على فهم إرثها واستيعاب دلالاته وتحويل ما يختزنه من قيم وخبرات إلى مقومات حية قابلة للتجدد، بما يحفظ أصالتها ويمنحها في الوقت نفسه القدرة على الاستجابة لشروط الحاضر وتحولاته ومتطلبات المستقبل. وهنا تتأكد الحاجة إلى نخبة تمتلك من الوعي والكفاءة والنزاهة ما يؤهلها لتحمل مسؤولية هذا التحول، لا باعتبارها حارسة للماضي فحسب، وإنما شريكة في صياغة مستقبل أكثر اتزانا وفاعلية، تصبح فيه قيمة الزاوية بما تضيفه إلى حاضر المجتمع ومستقبله، بقدر ما تستمده من عمق الهوية والتاريخ.
↑
Exit mobile version