تقع منطقة باغير ملولن (إغيرملولن) داخل تراب جماعة الركادة أولاد جرار بإقليم تزنيت، وهي منطقة جبلية يجد سكانها أنفسهم أمام واقع صعب يفرضه ضعف البنية التحتية الطرقية. فبالنسبة لساكنة هذه الجماعة، لا تشكل الطرق مجرد ممرات للتنقل، بل هي الشريان الذي يربطهم بالخدمات الأساسية من صحة وتعليم وسوق ومرافق عمومية، وحين تختل هذه الشريان تضيق الحياة اليومية وتصبح التنقلات عبئًا ثقيلًا.
طرق موجودة على الورق… لكنها غير صالحة للاستعمال
في أواخر سنة 2024، وجّهت أربع جمعيات محلية بمنطقة باغير ملولن شكاية إلى المدير الإقليمي للفلاحة بتزنيت، حول الطريق الرابط بين الطريق الإقليمية رقم 1908 ودواوير أسيل والداهيرة ومتادي ودوار الشيخ وتالوست. وقد أشارت الجمعيات إلى مجموعة من العيوب التقنية في هذا المقطع الطرقي، من بينها ضعف الطبقة الحصوية، وانعدام التجهيزات الأساسية للسلامة، وعدم طمر قنوات الماء الصالح للشرب بشكل صحيح، وانعدام نظام تصريف مياه الأمطار. كما وُجهت نسخة من الشكاية إلى رئيس جماعة الركادة، وتقدم برلماني عن حزب التقدم والاشتراكية بسؤال كتابي إلى وزير الفلاحة حول الموضوع نفسه.
ولم يكن هذا الوضع وليد اللحظة، فقد سبق أن كشفت تقارير سابقة، ومنها ما يعود إلى سنة 2013 حول الطريق الإقليمية 1908 الرابطة بين الركادة وسيدي أحمد أوموسى مرورًا بمنطقة باغير ملولن، أن الطريق التي يبلغ طولها 31 كيلومترًا وتخدم 22 دوارًا وحوالي 3300 نسمة، بغلاف مالي يقدر بعشرين مليون درهم، قد ظهرت بها حفر وشقوق في القنوات والبالوعات قبل تدشينها، إضافة إلى عيوب في طريقة تهيئة بعض المنعرجات الخطيرة. وبعد مرور أكثر من عشر سنوات، يبدو أن المشهد لم يتغير جوهريًا.
أزمة الماء… وجه آخر للمعاناة
لا تنفصل مشكلة الطرق عن باقي أوجه الحرمان، وأبرزها أزمة الماء الصالح للشرب. ففي سنة 2020، أكد سكان عدد من دواوير المنطقة أن إمدادات الماء تنقطع بشكل متكرر في فصل الصيف، وأقر رئيس الجماعة آنذاك بأن الموارد المائية الجوفية بمرتفعات باغير ملولن محدودة، وأن الحلول المتاحة لا تتجاوز توفير صهاريج متنقلة بشكل يومي. ومع حلول سنة 2026، لا يزال سكان المرتفعات يعانون من خصاص حاد في الماء الصالح للشرب، ويطالبون بحلول مستدامة بدل الترقعات المؤقتة.
وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين الطريق والماء، إذ يتوقف وصول صهاريج المياه إلى الدواوير على حالة المسالك، كما تتوقف إمكانية تنقل السكان نحو المراكز الصحية والأسواق على جودة هذه الطرق. وحين تنعدم قنوات تصريف المياه وتكثر الحفر، يصبح التنقل في فصل الأمطار مغامرة حقيقية.
مشاريع الطرق… بعيدًا عن باغير ملولن
لا يعني ما سبق أن إقليم تزنيت خارج دائرة مشاريع التهيئة الطرقية، فقد عرفت مناطق أخرى بالإقليم، مثل أنزي، إطلاق عدد من الأوراش الرامية إلى فك العزلة عن الدواوير، من بينها طرق قروية وتهيئة مقاطع من الطرق الإقليمية. غير أن منطقة باغير ملولن بجماعة الركادة أولاد جرار لم تظهر ضمن المشاريع المعلن عنها في هذا الإطار، ما يطرح تساؤلات حول معايير الأولوية في برمجة هذه المشاريع، وحول مصير مطالب الساكنة التي تتكرر منذ سنوات دون استجابة ملموسة.
و يعكس واقع الطرق بمنطقة باغير ملولن مشكلة أعمق تتعلق بالفجوة بين “إنجاز” المشاريع و”جودة” الخدمات المقدمة للساكنة. فبالنسبة لسكان هذه المنطقة، لا يكفي أن يُبنى الطريق، بل يجب أن يُصمم بشكل يحترم معايير السلامة والجودة، وأن تصاحبه قنوات لتصريف المياه، وأن يخضع للصيانة الدورية. إن الشكايات المتكررة والمراسلات الموجّهة إلى السلطات والبرلمان ليست سوى تعبير عن انتظار طويل لتنمية حقيقية تصل إلى هذه المرتفعات، وتخفف عن ساكنتها عناء التنقل اليومي ومرارة الحرمان من أبسط مقومات الحياة الكريمة.