الرباط — عندما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من مدريد، أحداث سبتة المحتلة بأنها “هجوم خارجي متعدد الأبعاد” على إسبانيا، لم يكن هذا التصريح مجرد موقف تضامني عابر مع الجار الإيبيري. فقد جاء هذا الخروج الإعلامي في توقيت بالغ الدقة، يتزامن مع تأجيل زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا دون تحديد تاريخ جديد لها، وهو التأجيل الذي ربطته تقارير إعلامية فرنسية باستمرار الخلاف حول “معاهدة ثنائية غير مسبوقة” لا تزال مفاوضاتها تراوح مكانها.
سبتة: تصريح يتجاوز التضامن
اختيار ماكرون لكلمات مثل “هجوم” و”متعدد الأبعاد” ليس بريئاً في قاموس الدبلوماسية الفرنسية. فباريس تعرف تماماً أن أي وصف لأحداث سبتة بهذا الشكل يضع الرباط في موقع المسؤول الضمني، حتى وإن أضاف الرئيس الفرنسي عبارة “التعاون مع المغرب يسير بشكل جيد” كغطاء دبلوماسي رقيق. هذا الغلاف لا يخفي حقيقة أن التصريح جاء ليطمئن مدريد على حساب حساسية الرباط، وفي لحظة تكون فيها العلاقات المغربية الفرنسية في أضعف حالاتها منذ سنوات.
الملفات القضائية: تزامن يطرح أسئلة
في اليوم السابق لتصريح ماكرون من مدريد، كانت النيابة العامة المالية الفرنسية تطالب بعقوبة مشددة بحق رشيدة داتي: أربع سنوات سجن، منها سنتان نافذتان، مع الحرمان الفوري من الحقوق المدنية لمدة خمس سنوات. داتي، التي تحمل أصولاً مغربية وتشغل موقعاً محورياً في المشهد السياسي الفرنسي، لم تكن مجرد ملف قضائي عابر. طريقة بناء الاتهام، القائمة على “عقود استشارية” كواجهة لـ”الاتجار بالنفوذ”، هي آلية معروفة في القضاء الفرنسي، لكن توقيتها يثير أكثر من علامة استفهام.
وفي الملف نفسه، يواجه الدولي المغربي أشرف حكيمي مصيراً قضائياً شبه محسوم بعد رفض محكمة النقض الفرنسية لطعنه الأخير، لتؤكد إحالته على محكمة الجنايات في 2027. حكيمي نفسه قال صراحة: “لو لم أكن مشهوراً، لما وُجدت هذه القضية”. محاميته ذهبت أبعد من ذلك، متهمة القضاء الفرنسي بـ”معاملة مختلفة” بسبب شهرة موكلها. بصرف النظر عن حقيقة الاتهامات، فإن التوزيع الزمني لهذه الإجراءات — التي تصل إلى مراحلها النهائية غير القابلة للتراجع في نفس الفترة التي تشهد فيها العلاقات الثنائية توتراً — يخلق ضغطاً موضوعياً على المغرب وعلى شخصياته.
النمط المتكرر: هل هو صدفة؟
عندما نضع ملف داتي، وملف حكيمي، وتصريح ماكرون حول سبتة، إلى جانب تأجيل زيارة الملك، تظهر صورة أوضح: في كل مرة تدخل العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة تفاوض صعب، تنشط الآليات القضائية والدبلوماسية الفرنسية بشكل متزامن. باريس لن تعترف أبداً بوجود رابط بين هذه الملفات. كل إجراء قضائي سيُقدَّم كـ”استقلالية للقضاء”، وكل تصريح دبلوماسي سيُغلَّف بـ”موقف مبدئي”. لكن السياسة لا تُدار فقط بالبيانات الرسمية.
السؤال المطروح ليس هل تتحكم باريس في القضاء الفرنسي — فهذا اتهام يصعب إثباته ويسهل تفنيده. السؤال هو: هل تستفيد باريس من “النتائج الطبيعية” للإجراءات القضائية القائمة، ومن “الهامش المرن” في الصياغة الدبلوماسية، لخلق مناخ ضغط يمنحها أوراقاً تفاوضية إضافية في ملف المعاهدة الثنائية؟ المؤشرات المتاحة ترجح الإجابة بنعم.
المغرب أمام خيارات ضيقة
الرباط تدرك أن فتح معركة دبلوماسية علنية مع باريس في هذا التوقيت قد لا يخدم مصالحها. لكنها تدرك أيضاً أن الصمت المطلق قد يُقرأ كضعف. لذلك تلجأ إلى أسلوب “الضغط المضاد” عبر قنوات غير رسمية، وعبر تسريبات إعلامية محسوبة، وعبر إبقاء ملف الزيارة الملكية معلقاً كأداة ضغط في يدها.
ما يحدث اليوم ليس مجرد سلسلة حوادث متفرقة. إنه نمط متكرر: في كل مرة يقترب المغرب وفرنسا من لحظة حساسة، يخرج ملف قديم من الأدراج، أو يُطلق تصريح “عابر” من عاصمة أوروبية. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى تستطيع فرنسا تحمل هذا الوضع، ومن سيدفع الثمن أولاً؟