شخصيتين من رجالات المقاومة من سوس العالمة

وراء كل وجه من وجوه منطقتنا تاريخ يُروى، واليوم نستحضر ذاكرة بطلين من دوار واحد هو “دوار سيدي بوسحاب” التابع لجماعة أمسكرود بعمالة أكادير، قاوما ولبيا نداء الوطن قبل أن يعودا ليؤسسا حياتهما بهدوء بيننا في هوارة. إنه، المرحوم الحاج عبد الله عرواش، وإلى جانبه في هذه الصورة رفيق دربه المرحوم الحاج إبراهيم أشياو.
بعد تجميع الروايات الشفهية من عائلتي البطلين، يتبين أن هذه الصورة التاريخية لا تعود لحرب الهند الصينية كما يُعتقد للوهلة الأولى، بل هي توثيق نادر لمشاركتهما معاً في “حرب الرمال” سنة 1963.
المشاركة العسكرية: من الهند الصينية (1946-1954) إلى تلبية نداء 1963.
المسار العسكري للرجلين يحمل تفاصيل مشرفة؛ فالحاج عبد الله عرواش كان قد شارك سابقاً في حرب الهند الصينية (الفيتنام)، وهي الحرب القاسية التي خاضتها فرنسا بين سنتي 1946 و1954، حيث كان مجنداً ضمن صفوف القوات الفرنسية تحت لواء ما كان يُعرف بـ “الرماة المغاربة” (Tirailleurs Marocains). أما الحاج إبراهيم أشياو، فرغم أنه لم يشارك في حرب الهند الصينية، إلا أن الأقدار جمعته بابن دواره في خندق واحد لاحقاً.
في سنة 1963، وإثر اندلاع “حرب الرمال”، أُعلنت التعبئة العامة التي استهدفت كل من يمتلك خبرة وتجربة في حمل السلاح. وتؤكد عائلتاهما حقيقة تاريخية مثيرة: لقد تم اقتياد الرجلين مباشرة من مدينة أولاد تايمة إلى جبهة القتال بشكل مفاجئ وسريع جداً، لدرجة أنه لم يُترك لهما الوقت حتى لإغلاق محليهما التجاريين أو اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرار تجارتهما!
الورقة التقنية: رشاش طومسون (Thompson) وعبء القوة
تُظهر الصورة الجنديين في جبهة حرب الرمال وهما يحملان عتاداً أمريكياً موروثاً من حروب سابقة، حيث يتسلحان برشاش مجهز بمخزن دائري ضخم، وهو يذكرنا بالتصميم الميكانيكي للسلاح الأمريكي الشهير “طومسون”، الذي ارتبط بالقوات الخاصة وقوات الاقتحام، و رئيس العصابات آل كابون في امريكا. ويتميز هذا السلاح بالخصائص التالية:
- مخزن الذخيرة (الشارجور الدائري): استُعمل هذا المخزن الأسطواني لضمان كثافة نيرانية حاسمة، حيث تتراوح سعته بين 50 و100 رصاصة من العيار الثقيل (11.43 ملم / .45 ACP).
- الوزن الهائل: يزن السلاح فارغاً حوالي 4.7 كيلوغرام، وإذا أضفنا إليه مخزن الـ 100 رصاصة (الذي يزن وحده قرابة 3.9 كيلوغرام)، فإن الجندي يحمل في يديه أكثر من 8.5 كيلوغرام، وهو عبء يتطلب طاقة بدنية هائلة للقتال به في التضاريس الوعرة.
- الأخمص القصير (La Crosse): كما يظهر بوضوح تحت ذراع الجندي الأيمن، صُمم الأخمص ليكون قصيراً لتخفيف وزن السلاح وتسهيل الحركة والاقتحام السريع.
المغاربة في الخطوط الأمامية: شجاعة و”ضريبة دم”
لم يكن من الصدفة إسناد مثل هذه الأسلحة الثقيلة للجنود المغاربة سواء في الفيتنام أو حرب الرمال. الحاج عبد الله عرواش، رحمه الله، كان رجلاً فارع الطول (حوالي 1.85 متر) وكذلك رفيقه الحاج إبراهيم، فقد تمتعا ببنية جسدية قوية جداً. في الهند الصينية (1946-1954)، استغلت القيادة العسكرية الفرنسية تكتيكياً هذه المواصفات لدى “الرماة المغاربة”، حيث كانوا يُدفعون كقوات اقتحام (Troupes de choc) لفتح الثغرات، مما جعلهم بمثابة “لحم مدافع” (Chair à canon) أدوا ضريبة الهجوم الأول بدمائهم. وتلك الخبرة والصلابة هي عينها ما جعلت الدولة تستدعيهما بشكل عاجل لحماية حوزة الوطن في 1963.
العودة وبناء الحياة في أولاد تايمة
بعد طي صفحة الحرب، عاد الرفيقان ليستأنفا بناء حياتهما في مدينة أولاد تايمة بعرق جبينهما. الحاج عبد الله عرواش واصل مسيرته في دكان البقالة الشهير (رقم 621) المقابل لـ”سينما برتقال”، والذي يتذكره جيل الستينات وما بعدها. وفي نفس السياق العصامي، أدار الحاج إبراهيم أشياو مقهاه الكبير وسط المدينة، قبالة “مقهى الغزالة” قديماً، والذي تحول إلى مَعلمة محلية ووجهة مفضلة للهواريين، خاصة بتقديمه لأجود المشاوي.
رحم الله الحاج عبد الله عرواش والحاج إبراهيم أشياو، وكل من استرخصوا أرواحهم وتجارتهم في سبيل الوطن، محتفظين بذكريات وتاريخ عظيم.



