في 22 دجنبر 1946، لم تكن مدينة أكادير تعلم أن مجموعة من الشباب الوطني، الذين رفضوا الهيمنة الاستعمارية على الرياضة، سيضعون حجر الأساس لأحد أعرق الصروح الكروية في المغرب. حسنية الاتحاد الرياضي لأكادير لم يكن مجرد نادٍ لكرة القدم، بل كان مشروعاً وطنياً مبكراً، ومحركاً رئيسياً لتمثيل جهة سوس ماسة في المحافل الوطنية والدولية.
التأسيس: عندما كانت الكرة مقاومة
في تلك الحقبة، كان تأسيس فريق يضم لاعبين مسلمين فقط بمثابة تحدٍّ صارخ للسياسات الاستعمارية. انطلق المؤسسون من أرضية عشوائية خارج المدينة تعرف بـ”ملعب المرسى”، وتحملوا بأنفسهم نفقات التجهيز والتنقل، فقط من أجل إعلاء راية الرياضة الوطنية . لم يمر هذا النشاط مرور الكرام، فبعد أول مباراة خارجية بمدينة سلا، واجه الفريق accusations من الشرطة الاستعمارية بـ”النشاط السياسي غير القانوني”، وهو ما يؤكد أن الحسنية كانت منذ ميلادها مشروعاً وطنياً بامتياز .
الريادة: أول نادٍ من الجنوب يصل للقمة
لم يكن طموح “غزالة سوس” يتوقف عند حدود المدينة. بعد سنوات من التألق في الأقسام الدنيا، نجح الفريق في الصعود إلى القسم الأول لأول مرة في موسم 1958-1959، ليصبح بذلك أول نادٍ من جنوب المغرب يصل إلى منصة النخبة الكروية الوطنية . هذه الريادة لم تكن مجرد صدفة، بل كانت إيذاناً ببدء مسار طويل من تمثيل المنطقة بقوة في وجه العواصم الكروية التقليدية.
الجيل الذهبي: كسر هيمنة القطبين
رغم قسوة الظروف وتأثير زلزال 1960 الذي فقد فيه الفريق لاعبين بارزين، واصل الحسنية بناء صيته. لكن الذروة الحقيقية جاءت مطلع الألفية الثالثة، حين تمكن الفريق بقيادة المدرب المخضرم امحمد فاخر من كتابة التاريخ. في موسمي 2001-2002 و2002-2003، توج حسنية أكادير بلقب البطولة الوطنية مرتين متتاليتين . لم يكن هذان اللقبان مجرد إنجاز عابر، بل كسراً لهيمنة الأندية الكبرى، وتأكيداً على أن الكرة السوسية قادرة على المنافسة على أعلى المستويات. هذا التوهج المحلي فتح الباب أمام الحسنية لخوض أولى تجاربها القارية في دوري أبطال إفريقيا عام 2003، لتمثل المغرب في المحافل القارية .
الحضور المستمر والطموح المتجدد
على الرغم من التحديات التي واجهها النادي في السنوات الأخيرة، ظل حسنية أكادير رقماً صعباً في البطولة الاحترافية. فبعد أن نجا من شبح النزول في موسم 2024-2025 عبر مباراة سد حاسمة أمام رجاء بني ملال، أكد الفريق في مواسم متتالية أنه جزء أصيل من نسيج الكرة الوطنية . كما ظل النادي حاضراً في نهائيات كأس العرش، حيث بلغ المباراة النهائية في مناسبات عدة آخرها موسم 2018-2019، ما يعكس استمرارية التنافسية رغم تغير الأجيال .
اليوم، ومع تواجد ثلاثة أندية من جهة سوس ماسة في القسم الأول لأول مرة في التاريخ، يبقى حسنية أكادير هو الأب الروحي والرائد الذي فتح الطريق أمام أبناء المنطقة. من “ملعب المرسى” إلى الملعب الكبير لأكادير، تظل “غزالة سوس” شاهداً حياً على أن الرياضة كانت ولا تزال أداة للتحرر، وأن الريادة الحقيقية تُصنع بالإرادة قبل الإمكانيات.