من وجدة إلى ناسا: المهندس المغربي نوفل سويطات ومهمة تأمين “أرتميس 2”

حين تنطلق مهمة “أرتميس 2” حاملةً طموح البشرية للعودة إلى القمر، فإن اسمًا مغربيًا من مدينة وجدة يقف ضمن سلسلة الأمان في هذا المشروع التاريخي. نوفل سويطات، المهندس المغربي في مجال الطيران والفضاء، يشارك في واحدة من أكثر مهام ناسا تعقيدًا وحساسية. لكن قصته ليست مجرد “حكاية نجاح” دراماتيكية، بل نموذج مهني يقوم على الدقة التقنية والصرامة العلمية والتنقل المهني العابر للحدود.

توضيح جوهري: تحديد الدور بدقة

عند الحديث عن علاقة سويطات بمهمة “أرتميس 2″، لا بد من التمييز بين مرحلتين. فوفقًا لما أفصح عنه سويطات نفسه لموقع SNRTnews، فإن مساهمته المباشرة في “أرتميس 2” تعود إلى مرحلة سابقة من مساره المهني، وليس إلى منصبه الحالي. حينها، قاد فريقًا مسؤولًا عن تأهيل عملية تصنيع الكابلات المحورية الراديوية (RF coaxial cables) المستخدمة في مركبة “أوريون” الفضائية. هذه الكابلات تؤدي وظيفة حيوية في الاتصال بين المركبة والأرض، وفي الرحلات المأهولة، فإن أي خلل في مكوّن قد يبدو صغيرًا قد يُطلق سلسلة من الأعطال.

يصوغ سويطات الأمر بتحفظ بالغ: “في مجال الرحلات المأهولة، مفهوم ‘التفاصيل الصغيرة’ غير موجود.” حاليًا، يشغل منصب مدير السلامة وضمان المهام في معهد ساوث ويست للأبحاث (SwRI)، حيث يخدم مهام ناسا والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، وتشمل مسؤولياته الإشراف على سلامة المركبات الفضائية والمعدات وعمليات التصنيع. بعبارة أخرى، هو أحد حرّاس السلامة في سلسلة مهام ناسا، وليس “المسؤول المباشر” عن مهمة واحدة بعينها. هذه الدقة في التوصيف هي عين المهنية الصحفية.

من وجدة إلى الفضاء العميق: مسار مهني غير خطي

يحمل سويطات درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من جامعة نيو هامبشاير الأمريكية، وي accumu أكثر من عشر سنوات من الخبرة في مجال إنتاج وهندسة الجودة في الطيران والفضاء. قبل انضمامه إلى SwRI، عمل مهندس جودة في شركة Cobham، وهناك تداخل مباشرة مع تطوير وتأهيل كابلات “أوريون” الراديوية. ويعترف بأن أساليب التصنيع القياسية لم تكن كافية لهذه المهمة، مما اضطر الفريق إلى تطوير تقنيات جديدة وإخضاعها لاختبارات تأهيل صارمة لضمان موثوقية الكابلات في بيئة الفضاء.

تكمن أهمية هذا المسار ليس في التناقض الدرامي بين “نقطة الانطلاق” و”نقطة الوصول”، بل في كشفه حقيقة غالبًا ما تُغفل: عتبة المشاركة في هندسة الفضاء المتقدمة يحددها في الغالب القدرة التقنية القابلة للتحقق، لا الجغرافيا. سويطات هو أيضًا شريك مؤسس في “مبادرة الصناعة الفضائية المغربية” (MISI)، وهي منصة تهدف إلى تنمية الكفاءات الوطنية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) وربطها بسلسلة الصناعة الفضائية الدولية.

منطق السلامة في “أرتميس 2” وموقع المغرب المحتمل

يؤكد سويطات في مناسبات عدة أن “أرتميس 2” هي في جوهرها مهمة اختبار مأهولة، هدفها الأساسي التحقق من قدرة ناسا على إيصال رواد الفضاء إلى مدار القمر والعودة بهم سالمين إلى الأرض. وبالمقارنة مع البيانات الحرجة التي جمعتها “أرتميس 1” غير المأهولة — بما في ذلك بيانات الدرع الحراري — فإن متطلبات الرحلات المأهولة من حيث التكرار الاحتياطي وهامش تحمل الأعطال ترتفع أسيًا. وفي هذا السياق تتجلى قيمة وظيفة السلامة وضمان المهام: فهي ليست المشجّع في لحظة الإطلاق، بل المشكّك والمتحقق عبر كامل دورة التصميم والاختبار والتجميع والطيران.

ومن الجدير بالانتباه أن سويطات يقدّم تقييمًا واقعيًا لآفاق مشاركة المغرب في الاقتصاد الفضائي العالمي. فهو يرى أن انضمام المغرب إلى “اتفاقيات أرتميس” يتجاوز البعد الرمزي، إذ يمنح البلاد مقعدًا في نقاشات قواعد الاقتصاد الفضائي المستقبلي، ويؤهلها — استنادًا إلى قاعدة تصنيع الطيران القائمة وموقعها الجغرافي واستقرارها السياسي — للعب دور جسر يربط إفريقيا والعالم العربي والقوى الفضائية الكبرى. وتشير مشاريع البنية التحتية التي يذكرها، مثل “Cube Testing”، إلى بناء قدرات فعلية لا إلى شعارات.

قيمة قصة نوفل سويطات لا تكمن في تحويل مهندس إلى رمز “لفخر وطني”، بل في تقديم مسار مهني قابل للفحص: من هندسة الجودة إلى سلامة المهام، ومن تأهيل عمليات الكابلات إلى الإشراف على سلامة الرحلات المأهولة، كل خطوة مدعومة بمخرجات تقنية ملموسة. وبالنسبة للشباب المغربي الطامح إلى مجال الفضاء، فإن الجانب الملهم حقًا ليس العبور الجغرافي “من وجدة إلى ناسا”، بل القاعدة التي يكررها سويطات نفسه — في الرحلات المأهولة، لا توجد تفاصيل صغيرة. هذه القاعدة صالحة سواء وُضعت في فصل دراسي بوجدة أو في غرفة تحكم المهام بهيوستن.

↑
Exit mobile version