الاكتشاف الجديد للإنسان القديم في طوما: العلم يرسم خريطة جديدة… والجهل يصرّ على تزويرها

الاكتشاف الأخير في موقع طوما 1 بالدار البيضاء، الذي يعود إلى حوالي 773 ألف سنة، ليس مجرد خبر أثري عابر، بل منعطف علمي عالمي. هذه البقايا البشرية تكشف عن مرحلة انتقالية بين الإنسان المنتصب وملامح أكثر تطوراً، لتضع المغرب في قلب النقاش حول أصل الإنسان، وتؤكد أن شمال إفريقيا كان مسرحاً رئيسياً في مسيرة التطور البشري.
لكن بينما يرسم العلم خريطة جديدة دقيقة لتاريخ الإنسان، يصرّ الجهل المركب على تزويرها. هناك من يخلط بين التطور البيولوجي للإنسان وبين الهويات اللغوية أو الإثنية التي ظهرت لاحقاً، فيقول إن الإنسان القديم كان “أمازيغياً” أو “عربياً” أو “لاتينياً”. هذا خلط فاضح، لأن اللغة والهوية نتاج اجتماعي وثقافي حديث نسبياً، بينما الإنسان العاقل نتاج تطور بيولوجي طويل لا علاقة له بالتصنيفات اللغوية.
الأدهى من ذلك أن بعض من يحملون شهادات عليا، بل حتى ألقاب “دكتور” و”أستاذ”، يسقطون في هذا الجهل العميق. المثال الصارخ هو ما صرّحت به إحدى الأكاديميات الجزائرية حين قالت إن “الإنسان الأمازيغي أقدم من آدم”! هذا ليس مجرد خطأ علمي، بل فضيحة معرفية تكشف أن الحصول على الدكتوراه لا يحمي صاحبه من الوقوع في الجهل المركب إذا غابت عنه المنهجية العلمية.
إن الخلط بين الإنسان القديم و”آدم” أو بين البقايا الأثرية والهوية اللغوية هو تزييف مزدوج:
- من جهة، يطمس الحقائق العلمية التي تثبت أن الإنسان العاقل ظهر قبل حوالي 300 ألف سنة في جبل إيغود، وأن البقايا الأقدم مثل طوما توثق مراحل انتقالية قبل ذلك.
- ومن جهة أخرى، يحوّل النقاش العلمي إلى ساحة أيديولوجية، حيث تُستعمل الاكتشافات الأثرية لتبرير هويات معاصرة أو سرديات قومية لا علاقة لها بالعلم.
العلم واضح: الإنسان القديم في طوما لم يكن “أمازيغياً” ولا “عربياً”، بل كان حلقة في سلسلة تطور الإنسانية جمعاء. أما اللغة الأمازيغية أو العربية أو غيرها فهي أنظمة رمزية ظهرت لاحقاً في مسار مستقل، لا علاقة له بالبقايا التشريحية التي ندرسها اليوم.
الجهل المركب لا يقتصر على العامة، بل قد يسكن عقول بعض من يحملون شهادات عليا. من يقول إن “الإنسان الأمازيغي أقدم من آدم” يفضح نفسه أمام العلم، ويثبت أن الدكتوراه لا تعني بالضرورة فهماً ولا منهجية. الاكتشافات المغربية – من طوما إلى تافوغالت – هي شواهد على تاريخ الإنسانية، لا على هوية لغوية أو إثنية. ومن يصرّ على هذا الخلط إنما يكرّس الجهل ويشوّه العلم.



