أخبار عامة

تشوير «غير قانوني» يربك شوارع أكادير… من يقرر ومن يتحمل المسؤولية؟

يعيش مستعملو الطريق بمدينة أكادير، منذ أيام، على وقع ارتباك مروري لافت، أعقب تثبيت مجموعة من علامات التشوير على طول المسار المخصص لحافلات النقل الحضري عالية الجودة (BHNS)، خاصة بوسط المدينة وعدد من الشوارع الحيوية، من بينها شارع الحسن الأول بحيي الداخلة والهدى. ارتباك لم يكن سببه ضغط السير أو أشغال طارئة، بقدر ما كان نتيجة قرارات غامضة أعادت إلى الواجهة بقوة سؤال الحكامة والمسؤولية داخل المجلس الجماعي للمدينة.
ففي الوقت الذي يُفترض أن يشكل مشروع حافلات BHNS رافعة لتحسين جودة التنقل الحضري وتخفيف الضغط على شبكة الطرق، تحوّل تنزيله الميداني إلى مصدر فوضى وغضب في صفوف الساكنة، بسبب علامات تشوير أربكت حركة السير، وقيّدت ولوج السيارات إلى الأحياء والإدارات والمؤسسات، دون أي توضيح مسبق أو تواصل مؤسساتي يشرح طبيعة هذه التغييرات وأهدافها.
غير أن الأخطر في هذا الملف لا يكمن فقط في ارتباك السير، بل في تبرؤ المجلس الجماعي لأكادير من هذه العلامات؛ إذ خرج أحد نواب رئيس المجلس، عزيز أخنوش، في تصريح مصوّر، ليؤكد أن عددًا من علامات التشوير الموضوعة على مسار الحافلات “غير قانونية”، وأن الجماعة الترابية ولجنة السير والجولان لا تتحملان أي مسؤولية بشأنها، لكونها لم تُستشر ولم تُناقش داخل اللجنة المختصة، ولم تُعرض على المصادقة خلال دورة من دورات المجلس.
هذه “الخرجة” الإعلامية، بدل أن تطمئن المواطنين، عمّقت منسوب القلق وفتحت الباب أمام تساؤلات مقلقة: إذا كان نائب رئيس الجماعة يقر علنًا بأن علامات تشوير وُضعت في الطريق العام دون علم المجلس، فكيف تُدار ملفات المدينة؟ وأين تبدأ المسؤولية السياسية للمجلس وأين تنتهي؟
الأدهى من ذلك، أن هذه العلامات، رغم وصفها بغير القانونية، لا تزال قائمة في الشوارع، وتفرض أمرًا واقعًا على مستعملي الطريق، الذين لا يملكون ترف التمييز بين تشوير قانوني وآخر غير قانوني، ويضطرون إلى احترامها تفاديًا للمخالفات والعقوبات. وهو ما يكشف عن تناقض صارخ: تشوير يعترف المجلس بعدم قانونيته، لكنه في الآن ذاته يقيد حركة المواطنين ويؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية.
وفي خضم هذا الجدل، تتجه أصابع الاتهام إلى شركة التنمية المحلية “أكادير الكبير للنقل والتنقلات الحضرية”، باعتبارها الجهة المكلفة بتنفيذ مخطط التنقل الحضري، والمشرفة على إنجاز الخط الأول لحافلات BHNS، الذي يربط بين ميناء أكادير وحي تيكيوين على طول 15,5 كيلومترًا، مرورًا بعدد من المحاور الاستراتيجية، مع وعود بتحسين السرعة وانتظام المواعيد وجودة الخدمة.
غير أن الإشكال الجوهري الذي يطرحه هذا الوضع يتمثل في سؤال سياسي واضح: هل صوّت المواطنون في الانتخابات الجماعية على أعضاء المجلس الجماعي أم على شركة تنمية محلية؟ ومن يتحمل المسؤولية أمام الساكنة عند وقوع الخلل؟ فشركة التنمية، مهما كان دورها التقني والتنفيذي، تظل أداة في يد الجماعة، وليست بديلاً عنها في اتخاذ القرار أو تحمل تبعاته السياسية والمؤسساتية.
إن تنصل المجلس الجماعي من اختيارات تُنفذ داخل المجال الحضري، وترك المسؤولية معلّقة بين الجماعة وشركة التنمية، يعكس ضعفًا في القيادة المحلية وغيابًا واضحًا للحكامة والتنسيق، ويطرح علامات استفهام حول قدرة المجلس على تتبع ومراقبة المشاريع الكبرى التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
فبدل أن يبادر المجلس إلى توضيح الرؤية، وتحمل مسؤوليته السياسية كاملة، وإشراك لجنة السير والجولان والمجلس التداولي في كل ما يتعلق بالتشوير وتنظيم حركة المرور، اختار بعض مسؤوليه لغة التنصل وإلقاء اللوم على “جهات أخرى”، في مشهد يعكس ارتباكًا مؤسسيًا لا يليق بمدينة بحجم أكادير، ولا بمشروع يُفترض أن يكون عنوانًا للتنمية الحضرية الحديثة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button