محطة عبد المومن للضخ والتخزين.. قلبة الطاقة الاستراتيجية التي ترسخ ريادة المغرب في التحول الطاقي

تارودانت – في خطوة نوعية لتعزيز الأمن الطاقي الوطني، يدخل المغرب مرحلة جديدة في مشروعه الطموح للتحول نحو الطاقة النظيفة من خلال إحدى أكثر التقنيات تطوراً في عالم تخزين الطاقة: نظام الضخ والتخزين الكهرومائي (STEP).
في قلب إقليم تارودانت، حيث تلتقي التحديات التقنية بالرؤية الاستراتيجية، ينبض مشروع “عبد المومن” للضخ والتخزين الكهربائي، ليصبح بمثابة بطارية عملاقة تساهم في استقرار الشبكة الكهربائية الوطنية وتوفير المرونة التشغيلية اللازمة لمواكبة التوسع السريع في مشاريع الطاقات المتجددة.
تقنية متطورة تحول الفائض إلى ذهب أسود رقمي
يعتمد نظام STEP على مبدأ بسيط في فكرته، معقد في تنفيذه: تحويل الطاقة الكهربائية الفائضة – خاصة القادمة من مصادر متقطعة مثل الشمس والرياح – إلى طاقة كامنة مخزنة في المياه. خلال فترات الإنتاج العالي والطلب المنخفض (كالليل بالنسبة للطاقة الشمسية)، تضخ المياه من حوض سفلي إلى حوض علوي. وعند ذروة الاستهلاك، تتدفق المياه عائدة عبر توربينات لتوليد الكهرباء مجدداً.
ما يميز محطة عبد المومن هو نظام “الدائرة المغلقة” الذي تعمل به، حيث لا تعتمد على التساقطات المطرية أو المجاري المائية الطبيعية، بل تدور نفس الكمية المائية بين الحوضين العلوي والسفلي بشكل مستدام. هذا التصميم يمنحها استقلالية تشغيلية ومرونة عالية مقارنة بالمحطات الكهرومائية التقليدية.
مواصفات تقنية استثنائية
تمتد محطة عبد المومن على مساحة 100 هكتار، وتضم منظومة هندسية متكاملة:
· حوضين مائيين بسعة مليون وثلاثمائة ألف متر مكعب لكل منهما
· دائرة مائية تحت أرضية بطول 3 كيلومترات
· مجموعتين كهرومائيتين عكسيتين بقدرة 175 ميغاواط لكل وحدة
· قدرة إجمالية مركبة تبلغ 350 ميغاواط
· استثمار مالي بلغ حوالي 3.8 مليار درهم مغربي
ركيزة أساسية في خريطة الطاقة 2030
يأتي هذا المشروع الضخم ضمن البرنامج الوطني الطموح لتقوية قدرات تخزين الطاقة، ومواكبة التوسع السريع للطاقات المتجددة في أفق تحقيق الأهداف التي رسمها المغرب لعام 2030، حيث يتوقع أن تشكل الطاقات المتجددة أكثر من 52% من القدرة الكهربائية الإجمالية.
الدكتور أحمد البوعناني، خبير في سياسات الطاقة، يعلق: “محطات الضخ والتخزين مثل عبد المومن هي حلقة الوصل الأساسية بين الإنتاج المتقطع للطاقات المتجددة والاستهلاك المستمر. إنها تسمح بتخزين الطاقة الشمسية المنتجة نهاراً واستخدامها مساءً، وبالتالي تحويل الطاقات المتجددة إلى مصادر قابلة للتوزيع حسب الطلب”.
تعزيز السيادة الطاقية والاستقرار الشبكي
يوفر المشروع فوائد متعددة تتجاوز مجرد التخزين:
· استقرار الشبكة: تعديل التردد وتوفير خدمات الشبكة المساعدة
· مرونة تشغيلية: القدرة على التشغيل والإيقاف السريع
· تكامل الطاقات المتجددة: تخفيف تأثير التقلبات في إنتاج الطاقة الشمسية والريحية
· أمن إمدادات الذروة: تلبية الطلب خلال ساعات الذروة دون الحاجة إلى محطات إضافية
السيدة فاطمة الزهراء، مديرة مشروع عبد المومن، تؤكد: “هذه المحطة ليست مجرد منشأة كهرومائية، بل هي نظام ذكي لإدارة الطاقة. قدرتها على الانتقال من وضع الضخ إلى وضع التوليد في دقائق معدودة تجعلها أداة حيوية لموازنة الشبكة الوطنية”.
تحديات تقنية وتنموية
يواجه تنفيذ مشاريع بهذا الحجم تحديات جمة، من هندسية وجيوتقنية إلى لوجستية ومالية. موقع محطة عبد المومن في منطقة جبلية يتطلب أعمال حفر وأنفاق معقدة، كما أن نقل المعدات الثقيلة والتحكم في الدوائر الهيدروليكية الضخمة يمثل تحدياً تقنياً كبيراً.
من جهة أخرى، يأتي المشروع مصحوباً ببرنامج تنموي للمنطقة، يشمل تحسين البنيات التحتية وتأهيل الطرقات وخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة.
آفاق مستقبلية واعدة
مع دخول محطة عبد المومن للخدمة، يعزز المغرب موقعه الريادي في مجال الطاقة المستدامة على مستوى القارة الإفريقية والمنطقة العربية. المشروع يمثل نموذجاً يحتذى في كيفية تحويل التحديات المرتبطة بطبيعة الطاقات المتجددة إلى فرص استراتيجية.
كما يفتح المشروع الباب أمام تطوير مشاريع مماثلة في مناطق أخرى من المملكة، خصوصاً في المناطق الجبلية القريبة من مراكز الإنتاج والاستهلاك، مما سيساهم في بناء منظومة طاقية وطنية متكاملة ومرنة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
ختاماً، يمثل مشروع عبد المومن للضخ والتخزين الكهربائي علامة فارقة في مسار المغرب نحو السيادة الطاقية، يجسد الرؤية الاستشرافية القائمة على تبني التقنيات المتقدمة وتحويل الموارد الطبيعية إلى رافعات حقيقية للتنمية المستدامة.



