أخبار عامة

“الشرطة الشريفية” بمكناس خلال فترة الحماية (1915–1929): جهاز أمني بواجهة مغربية وإدارة فرنسية

مكناس – أرشيف تاريخي

مع بداية فرض نظام الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912، سارعت سلطات الإقامة العامة إلى إرساء جهاز أمني حديث يخدم مشروعها الإداري والعسكري، فتم تأسيس ما عُرف بـ“الشرطة الشريفية” في شتنبر 1913. ورغم التسمية التي توحي بكونها مؤسسة مغربية تابعة للدولة الشريفية، فإنها كانت في الواقع جهازاً أمنياً أنشئ وصُمم وأُدير بالكامل من طرف ضباط فرنسيين، تحت إشراف مباشر من سلطات الحماية.

من المخازنية إلى “البوليس”

جاء تأسيس الشرطة الشريفية ليحل تدريجياً محل النظام التقليدي المخزني في المدن، خاصة جهاز “المخازنية” وحراس الباشا، الذين كانوا يضطلعون بمهام حفظ الأمن والنظام داخل الحواضر المغربية. ومع دخول النموذج الإداري الفرنسي، تم اعتماد تنظيم حديث مستوحى من المنظومة الأمنية الفرنسية، مع الحفاظ شكلياً على تبعية المؤسسة للسلطان.

وسرعان ما شاع في التداول اليومي مصطلح “بوليس”، المقتبس من الكلمة الفرنسية “Police”، ليعكس التحول الذي عرفته بنية السلطة الأمنية في الفضاء الحضري المغربي.

مكناس بين المدينة العتيقة والمدينة الجديدة

تشير الصور المؤرخة بين 1915 و1929 بمدينة مكناس إلى حضور واضح لعناصر الشرطة الشريفية في الفضاءات العامة، سواء في ساحة باب البرادعيين بالمدينة العتيقة سنة 1915، أو من خلال صورة شرطي على دراجة هوائية بالمدينة الجديدة “حمرية” سنة 1929، ما يعكس التحول العمراني والإداري الذي رافق فترة الحماية.

ففي الوقت الذي كانت فيه المدينة العتيقة تخضع لمراقبة لصيقة خلال المواسم الدينية والاحتفالات الشعبية، شهدت المدينة الجديدة تنظيماً أمنياً حديثاً يواكب توسع الأحياء الأوروبية والإدارات الاستعمارية.

بين حفظ النظام ومواجهة المقاومة

في بداياتها، ركزت الشرطة الشريفية على ضمان أمن المعمرين الأوروبيين وحماية المصالح الاقتصادية والإدارية الفرنسية، إضافة إلى تنظيم الحشود خلال المناسبات الرسمية والدينية. غير أن مهامها تطورت لاحقاً لتشمل مراقبة السكان المحليين وتتبع التحركات المناهضة للاستعمار، خاصة مع تصاعد المقاومة المسلحة والسياسية في عدة مناطق من المغرب.

كما اضطلع المراقبون المدنيون وضباط شؤون الأهالي (Affaires Indigènes) بمهام الشرطة القضائية والحالة المدنية، بدعم من القوات المساعدة، في إطار شبكة رقابة إدارية وأمنية متكاملة هدفت إلى بسط السيطرة على المجالين الحضري والقروي.

جهاز في سياق “التهدئة” العسكرية

تزامن إنشاء الشرطة الشريفية مع ما سُمّي بمرحلة “التهدئة العسكرية”، وهي العمليات التي قادتها فرنسا لإخضاع المناطق التي لم تكن خاضعة بالكامل لسلطة الحماية. وفي هذا السياق، تم إدماج عناصر مغربية بزي نظامي داخل مختلف الشعب الأمنية، إلى جانب استمرار عمل المخازنية ضمن هياكل الباشا والإدارة المغربية التقليدية، لكن تحت رقابة فعلية للسلطات الفرنسية.

من شرطة استعمارية إلى شرطة وطنية

تُبرز الدراسات التاريخية، خاصة تلك التي تناولت مرحلة 1953–1960، كيف انتقلت هذه المؤسسة من جهاز أمني استعماري إلى نواة الشرطة الوطنية المغربية بعد الاستقلال. وقد شكلت تلك المرحلة تحدياً كبيراً تمثل في “تحرير” الجهاز من إرثه الاستعماري وإعادة توجيهه لخدمة الدولة المغربية المستقلة، مع الحفاظ على بعض البنيات التنظيمية الحديثة التي أرستها فترة الحماية.

وتبقى صور الشرطة الشريفية بمكناس شاهداً بصرياً على مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، حيث تداخلت مظاهر الحداثة الإدارية مع واقع الهيمنة الاستعمارية، في سياق تحولات عميقة مست بنية الدولة والمجتمع على حد سواء.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button