الملف المغربي ينضج على نار هادئة.. وكواليس دبلوماسية تسخن بملفات الصحراء وسبتة ومليلية

الرباط – فبراير 2026
في مشهد يشبه “الطاجين” المغربي الذي يحتاج ناراً هادئة ووقتاً طويلاً حتى ينضج وتتشرب مكوناته بعضها البعض، تنضج على نار دبلوماسية باردة ملفات تاريخية في المنطقة المغاربية. ففي الأيام الأخيرة من فبراير 2026، تتوالى التسريبات والتقارير الدولية التي تتحدث عن تحركات مكثفة وقوية لطي صفحة الصراع المفتوح منذ عقود، ورسم خرائط جديدة في شمال إفريقيا.
“الصحافة الأمريكية كتقول اللي كاين تحركات قوية بزاف”، هكذا يعلق متابعون مغاربة على ما تنشره وسائل إعلام دولية كبرى، والتي تؤكد أن الدبلومسية المغربية، تحت إشراف مباشر من الملك محمد السادس، تخوض معركة هادئة لكن نتائجها بدأت تظهر تدريجياً على سطح الأحداث.
التقارير الدولية ماذا تقول؟
الملف الأول: الصحراء.. من التسوية إلى التصفية
أحدث التطورات في ملف الصحراء تشير إلى أن مرحلة “تسيير النزاع” قد انتهت لصالح مرحلة “تصفية الملف” بضمانات دولية. ففي الثامن من فبراير الجاري، خرج وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي من الرباط بتصريحات وصفتها مصادر دبلوماسية بـ”التاريخية”، واصفاً مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه “الأكثر مصداقية واستدامة وجدوى” لحل النزاع.
التصريح البريطاني لم يأت من فراغ. صحيفة ذا تايمز البريطانية كشفت عن اجتماعات سرية استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية، جمعت المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، بهدف إعطاء دفعة حاسمة للعملية السياسية المتعثرة منذ سنوات. ووفق المصدر ذاته، فإن الإدارة الأمريكية وضعت ملف الصحراء على رأس أولوياتها في المنطقة، بدعم من اللوبي المؤيد للمغرب في الكونغرس.
لكن الأهم مما تناقلته التقارير هو ما يتعلق بـ”الصحراء الشرقية المغربية”، حيث تشير مصادر مطلعة إلى أن الوساطة الأمريكية والبريطانية وصلت إلى مراحلها الأخيرة، مع تقديم مقترح للحكم الذاتي كحل وحيد، وضمانات دولية لطي الملف بشكل نهائي.
الملف الثاني: سبتة ومليلية.. من “هل؟” إلى “كيف ومتى؟”
هنا تكمن سخونة “الكواليس” الحقيقية. فبينما كانت الأنظار متجهة نحو الصحراء، كانت أبواب خلفية تفتح في عواصم القرار العالمي لمناقشة مستقبل مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
التقارير الأمريكية والبريطانية تتحدث عن “تنسيق مغربي-أمريكي-بريطاني” لفتح ملف الثغور المحتلة، مشيرة إلى أن النقاش لم يعد يدور حول “هل سنسترجعها؟” بل أصبح مركزاً على “كيف” و”في أقرب وقت”.
السيناريو المطروح في الكواليس الدولية يبدو معقداً وشيقاً في آن واحد. مصارد دبلوماسية في لندن وواشنطن تتحدث عن “صفقة كبرى” تُحضر لها منذ أشهر، تتضمن ضمان الولايات المتحدة وبريطانيا لملف جبل طارق لصالح إسبانيا، مقابل أن تحل مدريد ملف سبتة ومليلية مع المغرب بشكل نهائي. المقابل الإسباني في هذه المعادلة هو التخلص من “صداع” تاريخي والانتقال إلى شراكة اقتصادية حقيقية مع المغرب، وهو ما تعكسه تقارير تتحدث عن “ارتياح” في بيت العائلة الملكية الإسبانية لهذا التوجه.
لكن ماذا يقول الواقع؟
في الجانب الإسباني، الأمور تبدو أكثر تعقيداً. ففي 11 فبراير 2026، خرجت تصريحات رسمية إسبانية تؤكد أن “إسبانية سبتة ومليلية لا تقبل النقاش”، وهو موقف تقليدي لمدريد التي تخشى فتح هذا الملف الحساس داخلياً.
غير أن المراقبين يلاحظون تحولاً دقيقاً في الخطاب الإسباني تجاه المغرب. فبعد الأزمة الدبلوماسية التي أعقبت استقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي، عادت العلاقات إلى طبيعتها بل وتعززت بزيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الرباط. مدريد اليوم تبدو أكثر استعداداً للتعاون الأمني والاقتصادي مع المغرب، وأقل حماساً لعرقلة تحركاته الدولية.
الخلاصة: خريطة جديدة ترسم من طنجة للكويرة ومن طنجة لسبتة ومليلية
ما يمكن استخلاصه من هذه التقارير والتسريبات هو أن الدبلوماسية المغربية تخوض معركة ذكية متعددة الجبهات:
- على جبهة الصحراء، يتسارع الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، مع تراجع ملحوظ في القدرة الجزائرية على التأثير لصالح خصوم المغرب. التقارير تشير إلى أن رفض الجزائر للمقترح المغربي بدأ يعزلها دولياً.
- على جبهة سبتة ومليلية، الملف لا يزال في بداياته، لكن النقاش بدأ يتحول من “الرفض المطلق” إلى “البحث عن صيغ”. حضور المغرب القوي في الملفات الأوروبية (الطاقة، الأمن، الهجرة، ومونديال 2030) يمنحه أوراق ضغط قوية.
- اللوبي الأمريكي-البريطاني الداعم للمغرب يتحرك بشكل غير مسبوق، مستفيداً من التحولات الجيوسياسية في المنطقة ومن الحاجة الماسة لشريك مستقر في شمال إفريقيا.
ختاماً، يمكن القول إن الوحدة الترابية للمغرب تكتمل تدريجياً. فمن طنجة إلى الكويرة، الطريق ممهد بدعم دولي متزايد. ومن طنجة إلى سبتة ومليلية، الطريق لا يزال طويلاً، لكن أولى خطواته بدأت ترسم على خرائط الكواليس الدبلوماسية. والرهان اليوم على “الطاجين” المغربي الذي ينضج بهدوء، ليكون جاهزاً للتقديم في الوقت المناسب.



