132 عاماً من النار والدم: عندما حوّلت فرنسا “الجزائر الفرنسية” إلى محرقة بشرية

بقلم: قسم التحقيقات والصحافة الاستقصائية
بينما تتبارى الأوساط الثقافية والسياسية في باريس لوصف الإسلام بـ”الإرهاب”، وتتصدر قوانين منع الرموز الدينية المشهد العام، يبدو أن ذاكرة النسيان الجماعي تطال جرائم ارتكبتها الجمهورية الفرنسية باسم “التمدن” و”الحضارة”. بين عامي 1838 و1962, لم تكن فرنسا مجرد مستعمر في الجزائر، بل كانت آلة حرب منظمة مارست أبشع أشكال الإبادة الجماعية التي قد تعجز عنها مخيلات كتاب السيناريو.
“سياسة المحرقة” قبل النازيين بعقود
قبل أن يعرف العالم معسكرات الإبادة النازية، كان المارشال بيجو، حاكم الجزائر العام، ينفذ سياسة “المحرقة” (Enfumades) . ففي عام 1845، وعند مدخل كهف الفرشيح، لم يجد العقيد بيليسييه طريقة “أكثر تحضراً” لقهر الثوار الجزائريين من حرق 760 مدنياً أحياء داخل كهف، معظمهم من النساء والأطفال. شهادة ضابط إسباني شاهد العيان تصف المشهد: “كانت جميع الجثث عارية، في أوضاع تشير إلى التشنجات التي تعرضوا لها قبل الوفاة… كان الدم يخرج من أفواههم… الأطفال الرضع يرقدون بين بقايا الأغنام”. لم تكن هذه حادثة معزولة، بل سياسة دولة.
وفي مدينة الأغواط، دخل الجيش الفرنسي عام 1852 ليحول المدينة إلى جحيم. ففي ليلة واحدة، أُحرق ثلثا سكان المدينة، ولم يفرق المحتل بين شيخ وطفل، لتبدأ بذلك واحدة من أبشع عمليات “التطهير الديموغرافي” التي استهدفت المسلم في هويته ودينه قبل أرضه .
من حرق البشر إلى تشغيل المفاعل النووي
إذا كان حرق البشر في القرن التاسع عشر يمثل همجية السلاح التقليدي، فإن القرن العشرين شهد وجهاً آخر للإجرام الفرنسي. بين عامي 1960و1966 , وفي عز حرب التحرير، أجرت فرنسا 17 تجربة نووية فوق التراب الجزائري. وفي صحراء رقان، لم تكن العواصف الإشعاعية تفرق بين عسكري وطفل رضيع. تشير التقديرات إلى أن عدد ضحايا الإشعاعات النووية الفرنسية تراوح بين 27 ألفاً ومئة ألف جزائري، وما زال آثاره إلى اليوم يفتك بالأجنة ويشوه المواليد في الصحراء الجزائرية . فرنسا التي تتباهى اليوم بمنشآتها النووية النظيفة، أسست أول مفاعلاتها على جماجم الجزائريين.
11 مليون لغم تحت الأقدام
عندما أدركت فرنسا أنها مُجبرة على الخروج من الجزائر عام 1962، لم تكتفِ بحرق البشر وتجريب القنابل الذرية، بل زرعت أكثر من ١١ مليون لغم أرضي على الحدود وفي الداخل، أي ما يعادل عدد سكان الجزائر آنذاك. كان الهدف بسيطاً: قتل أكبر قدر ممكن من الجزائريين حتى بعد الرحيل. وما زالت هذه الألغام تحصد أيدي الفلاحين وأرجل الأطفال حتى كتابة هذه السطور .
الأرقام التي تصرخ: ١٠ ملايين ضحية
المؤرخ الفرنسي جاك جوركي (Jacques Jurquet)، وهو واحد من القلائل الذين وثقوا جرائم بلاده بشفافية، قدر أن مجموع من قتلتهم فرنسا في الجزائر بين 1820 و 1962 يبلغ 10 ملايين مسلم . ليس هذا فقط، ففي السنوات السبع الأولى من الاحتلال، أباد الفرنسيون مليون جزائري، وفي السنوات السبع الأخيرة قبيل الرحيل، أبادوا مليوناً ونصف المليون. هذا يعني أن “الجمهورية الفرنسية” كانت تقتل الجزائريين بمعدل يفوق قدرة أي وباء أو مجاعة.
المساجد… إسطبلات للخيول وحانات للخمر
لم يسلم حتى الرمز الديني من همجية المحتل. عندما دخلت فرنسا مصر، ودخلت الجزائر من قبل، داس الجنود الفرنسيون المساجد بحوافر خيولهم. حوّلوا بيوت الله إلى إسطبلات للخيول، وإلى حانات يشربون فيها الخمر على مرأى من المسلمين المذعورين. كان المشهد يهدف إلى إذلال المسلم في عقيدته قبل جسده. إنها حرب هوية قبل أن تكون حرب أرض.
الإرهاب الحقيقي هو من يُنسينا
وبعد كل هذا التاريخ الأسود، تخرج علينا اليوم خطابات رسمية فرنسية تصف الإسلام بـ”الإرهاب” وتصادر حرياته. والعجيب حقاً، بل والمُخزِ، أن نرى بعض المثقفين والساسة في العالم العربي يتباهون بـ”حضارة فرنسا” ويدافعون عن قيمها وكأنها لم تترك في ذاكرة الأجداد إلا صور “الجميل” و”الأبيض”.
إن نسيان التاريخ ليس فقط خيانة للشهداء، بل هو عمى بصيرة يجعلنا نكرر ذات السيناريوهات. فرنسا التي تحتل اليوم المتاحف بجماجم شهدائنا (التي لا تزال ترفض إعادتها بالكامل حتى الآن)، وتحتل ذاكرتنا بقوانينها، لم تقدم اعتذاراً حقيقياً عن 132 عاماً من الإبادة .
إن المطالبة بالاعتراف والاعتذار ليست “عاطفة جياشة”، بل هي حق قانوني وأخلاقي. فمن ينسى الماضي، لا يستحق مستقبلاً.
ملاحظة المحرر: المقال يستند إلى أرقام ووثائق تاريخية منشورة ومتاحة، منها دراسات المؤرخ الفرنسي جاك جوركي وشهادات ضباط فرنسيين موثقة .



